فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 562

وثمة مسائل أحكام الجهالة التي ينبغي لطالب العلم أن يكون على عناية بها: وهي أن الجهالة بذاتها ليست علة قاطعة محسومة يعل بها الحديث، بل يقال: إن الجهالة قد تعل الحديث وقد لا تعله، وإنما قلنا: بأن الجهالة جرح وإعلال للحديث باعتبار عدم معرفة ذلك الراوي، فيكون الراوي حينئذ غير معلوم التعديل، والأصل في ذلك الاحتراز والتشديد في هذا، ولهذا تكاثر كلام العلماء عليهم رحمة الله تعالى في أبواب توثيق الرواة, وأنهم يحترزون في ذلك؛ لأن الأصل في ذلك أن الإنسان متهم، وليس المراد بذلك التهمة في الدين، وكثير من الناس يرجع إلى أصل الظن، والمراد بذلك هي التهمة في عدم الضبط؛ لأن مجتمعات الإسلام الأصل فيها البراءة، ولو قيل في شخص: إنه كذاب أو متهم في دينه أو زنديق ونحو ذلك فإن هذا مخالف للأصل، وإنما المراد بقول العلماء: إن الأصل في ذلك الجرح يعني: أن المراد بذلك عدم الحفظ والضبط، هذا هو الأصل عند العلماء، وليس المراد بذلك ما يتعلق بأمر الديانة. ويخلط كثير ممن يتكلم في أبواب الرواة بين كون أن الأصل في المسلم العدالة، وبين عدالة الديانة، وما يتكلم عليه الأئمة عليهم رحمة الله تعالى: الأصل في الراوي الجرح، أو سوء الظن المراد به في أبواب الحفظ، وكون الإنسان يحفظ أو لا يحفظ وهذا لا يسقط من عدالته شيئًا، وإنما هي موهبة وجدت في الإنسان، وقد ينميها أو لا ينميها، وحينئذ يقبل حديثه أو لا يقبل، وهذا ليس بمسقط لديانته ومنزلته ومكانته في الناس، والحفظ منزلة تتباين عن مسألة العلم؛ فقد يكون الإنسان عالمًا ومن أهل الفتوى ولكنه لا يؤتى حفظًا, ولهذا نقول: إن الجهالة في أبواب الرواية ينبغي أن يرجع فيها إلى القرائن أكثر من غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت