مع أن الأئمة عليهم رحمة الله كالبخاري و مسلم، وأصحاب السنن الأربع ومسند الإمام أحمد اعتمدوا في هذا الباب إخراجًا وأوردوا وفرةً أحاديث النهي، ولم يعولوا أيضًا حتى من جهة الفتيا ومن جهة التراجم والتبويب على أمثال هذه الأحاديث، فلهذا ينبغي لطالب العلم في مسألة الجهالة ألا يطرد في كلام الحفاظ في علوم الحديث في قولهم: إن الجهالة على نوعين: جهالة حال وجهالة عين، وأن جهالة الحال إذا روى عن الراوي اثنان فصاعدًا ما لم يعرف، أن نقول: هذا ليس على إطلاقه، مثل المدينة في قضايا كبيرة وأحاديث لا نحتمل أن يروي عنه اثنان وثلاثة وأربعة وخمسة، بل يحتاج إلى ما هو أشهر من ذلك حتى يكون معروفًا، أما البلدان الآفاقية التي الرواية فيها قليلة والدراية كذلك، فيحمل من حديث المجهول ما قل أخذ الحفاظ له، فنتعامل بالجهالة البعيدة من هذا الوجه وليس على الإطلاق بل على نحو يخالف التعامل بالجهالة في مسألة ما كان في معاقل العلم كالمدينة ومكة. ولهذا في قول ابن حبان عليه رحمة الله: من متقني أهل المدينة، يعني: من المعروفين بالإتقان والشهرة، وهذا فيه ما فيه، وذلك أن من كان يعرف بالإتقان هو من كان لدينا أحاديث تروى عنه كثيرة نستطيع أن نضبطها ونعرف أنه ضبط الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا أو غلط فيه.
ولهذا قد أشرنا سابقًا في مجالس إلى مسألة الجهالة، وأن ثمة قرائن لا بد من اعتبارها في مسألة الجهالة، من هذه القرائن: مسألة البلد وهي متعلقة بكلامنا هنا، فهذه القرينة تفيد المجهول من جهة القبول وترده أيضًا إذا كان من أهل المدينة مثلًا ومتقدم وجاء بمتن مستقيم لا يخالف الأصول ولم يرد في الباب شيء يعارضه، فإن هذا مما يقبل ويغتفر فيه الجهالة.