وعلى هذا قالوا: لا بد أن يحمل ذلك من الرواة الكبار، فلماذا تنكبه الرواة الكبار ورواه من هو دونهم الذين هم في عداد المتوسطين وإن كانوا من الثقات كالوليد بن كثير و محمد بن جعفر و محمد بن عباد؟ لكن إذا قلنا بخلاف ذلك: وهو أن الحديث له دلالة منطوق، وأما دلالة المفهوم فيشار إلى أهمية الاحتراز، وأنه ينبغي للإنسان أن يحتاط، وأنه لا يحكم على هذا الحديث بنجاسة إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في المسند والسنن من حديث أبي سعيد الخدري في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الماء لا ينجس) ، وما جاء أيضًا في حديث أبي أمامة: (إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه بنجاسة تحدث فيه) ، وهذا محل إجماع عند العلماء. وكما تقدمت الإشارة إليه أن فهم الحديث هو فرع عن الحكم عليه، فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يفرق بين نهج الأوائل وقوتهم في إدراك دلالات مفهوم الأحاديث، ثم ما يبنون عليه من الإعلال، وكذلك أيضًا طرائق المتأخرين وما يبنون عليه من إعلال، وهذا من المسائل المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يكون على عناية بها. وثمة فروع لهذه المسألة في ألفاظ القلة والذنوب أو الدلو ونحو ذلك، واختلاف الروايات في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلها لا يصح، وأصح ما جاء في ذلك هو قلتان، وإنما جاء في بعض الروايات في فتاوى بعض الفقهاء من السلف، وتفرع عنه قول بعض من لا عناية له: إن هذا من وجوه الاضطراب وليس كذلك.
الحديث الثاني في هذا اليوم: حديث أبي قتادة عليه رضوان الله تعالى يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهرة: (إنها ليست بنجس, إنما هي من الطوافين عليكم) .