والصواب في ذلك الإرسال، وهذا من وجوه: منها: أن هذا الحديث قد أرسله الأئمة من الحفاظ كسفيان بن عيينة والثوري، وكذلك من رواه موصولًا قد جاء عنه من طرق أخرى الإرسال، فجاء الإرسال عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي وحماد بن سلمة وكذلك محمد بن إسحاق، فوافقوا فيه السفيانين، وعلى هذا ترجيح الحفاظ، فقد رجح ذلك الترمذي والنسائي والدارقطني وغيرهم، وهو الصواب. وثمة قرينة أيضًا تؤيد عدم ثبوت الوصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في المتن، وذلك أن الحمام لا يعرف في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما عرف بعد ذلك، ولم يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حمامًا قط، وما كان ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا له ولا لأصحابه، وهذا يدل على أن الحكم إذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء لم يكن في عصره أن ذلك اللفظ إما أن يكون روي بالمعنى، أو أن ذلك الحديث خطأ، يعني لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما وهم وغلط، وهذا هو ظاهر في هذا الحديث.
ورود حديث: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) من طرق أخرى وحكمها
وقد جاء في حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الحمام، جاء هذا من حديث زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن نافع عن عبد الله بن عمر، ووقع في هذا الحديث اختلاف على نافع، تارة يجعل من حديث عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتارة يجعل من حديث عبد الله بن عمر عن عمر، فرواه عبد الله بن صالح أبو صالح كاتب الليث عن الليث بن سعد عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر، فجعله من مسند عمر، والصواب أنه من مسند عبد الله بن عمر، والحديث في كلا الطريقين واه كما نص على ذلك غير واحد من الحفاظ كأبي حاتم وغيره.