وعلى هذا فنقول: إن التنشف بعد الوضوء يبقى على أصله من جهة الإباحة, فإذا فعله الإنسان للحاجة ساغ له ذلك, وإذا لم يفعله فهو كذلك سائغ, وإن ترك ذلك لحاجة أو لعلة ونحو ذلك فإن هذا في أبواب الترك كأبواب الفعل من جهة الجواز, وقد جاء الخبر في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يردها, وهذا الحديث ليس في بابنا, فنحن نتكلم هنا على مسألة التنشف؛ وذلك أن بعض الفقهاء قالوا باستحباب التنشف بعد الوضوء, ويستدلون بهذه الأحاديث، وكذلك ببعض الموقوفات, حيث جاء ذلك عن عثمان بن عفان , و علي بن أبي طالب و عبد الله بن عمر وهي معلولة, لا يثبت منها شيء عنهم, وإنما جاء ذلك عن غيرهم وعن جماعة أيضًا من التابعين.
وهنا مسألة وهي: هل الموقوفات والمقطوعات التي وردت في هذا الباب تعضد المرفوع؟ أولًا: بالنسبة للموقوفات فليست محل إجماع حتى تعضد المرفوع، ويكون هذا الحديث من جملة الأحاديث المضعفة التي عليها العمل, وذلك للاختلاف الذي قد ورد في هذه المسألة, فإن جماعة من السلف قالوا بجواز المسح وهذا مروي عن سعيد بن جبير و مسروق بن الأجدع و الحسن البصري و عامر بن شراحيل الشعبي وغيرهم, وجماعة قالوا بكراهة ذلك, وهذا مروي عن ابن شهاب الزهري و سعيد بن المسيب , ومروي أيضًا عن أصحاب عبد الله بن مسعود كما رواه عنهم إبراهيم النخعي؛ قال: كانوا يكرهون التنشف بعد الوضوء, والمراد بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود , فإن إبراهيم النخعي إذا روى حكاية وقال: وكانوا يفعلون أو كانوا يتركون فالمراد بذلك هم أصحاب عبد الله بن مسعود كما لا يخفى, وكما نص على ذلك هو بنفسه كما روى ابن أبي خيثمة في كتابه التاريخ من حديث الأعمش عن إبراهيم النخعي.