من الأمور المهمة التي تتعلق بأبواب التدليس: أن العلماء يذكرون بعض الرواة ويصفونهم بالتدليس، ويثبت سماعه من شيخ وهو مكثر عنه، وإكثاره عنه لا يحتمل لقي ذلك التلميذ لذلك الشيخ هذا الإكثار؛ وذلك أن الشيخ ليس بصاحب كتب، إذا عرفنا أن ذلك الشيخ قد دخل البصرة أو دخل المدينة أو دخل أيامًا مكة ثم خرج منها، ثم وجدنا له مائة حديث يرويها هذا ففي الأغلب أنه لا يحتمل منه ذلك، إلا من شيخ له كتاب، فيكون حينئذ على سبيل الإجازة وهذا يحتمل، وأما من ليس له كتاب وهو يترفع عن تحديث الغريب من المتوسطين بكل حديثه، وإنما يحدث ببعض الأحاديث ثم يحتجب عن الناس حتى يضبطوها، فالعلماء عليهم رحمة الله في مجالسهم في أبواب الحديث لا يحدثون بالأحاديث وفرة؛ حتى لا يغلط السامعون، بل يعطونهم مائة حديث فيسمعون هذه الأحاديث ثم يغادرون؛ لأن هذه الأحاديث إذا أخذوها كثير منهم يريد أن يتحفظها، فإذا أراد أن يتحفظ هذه الأحاديث فلا يكاد يبقى معه شيء؛ لأن غدًا سيلقي عليه مائة, وبعده مائة, وهكذا, وإنما يعطيهم بقدر، فإذا جاء راو قد مر على مكة في موسم حج وغادر, أو إلى المدينة وغادر والتقى بشيخ أيامًا، ثم وجد لديه أحاديث فنقول: إن من القرائن التي يعرف بها الإنسان أن هذا الراوي لم يسمع أننا ننظر في تلاميذ ذلك الشيخ في بلده كم عدد الأحاديث التي رووها، فإذا كانت دون ذلك أحاديث الراوي الغريب فكيف ينفرد ذلك المغترب بمائة حديث وبَلَدِيُّه الذي يلازمه ويعتني به ومكثر من الأخذ عنه روى عنه خمسين حديثًا؟! هذا من القرائن أنه ما سمع منه إلا الواحد والاثنين، وإن نص العلماء على أنه سمع منه يريدون بذلك أنه شاهد وأخذ عنه، ولا يعني هذا أنه سمع منه كل شيء، ومن يأخذ السماع مرة ومرتين ولا يفرق بين قليل وكثير هذا يخطئ، ولهذا نجد الأئمة عليهم رحمة الله يعلون كثيرًا من الأحاديث فيقولون: فلان لم يسمع من فلان مع كونه قد لقيه وسمع منه، فإذا وجدت في