فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 562

فلهذا ينبغي لطالب العلم إذا نظر في مجموع الأحاديث المتقاربة من جهة الضعف ألا يقدم أحدها على الآخر إن استوت من جهة الضعف أو تقاربت من جهة الترجيح، بخلاف الوجهين غير المتقابلين، وذلك كأن يكون الحديث من وجه قوي ومن وجه فيه ضعف، فإن الأئمة حينئذ يجسرون على الترجيح، ولو على سبيل الاحتياط كأن يميلوا مثلًا إلى الضعف. على سبيل المثال كالأعمش مثلًا لو قلنا: إنه صح سماع الأعمش من أنس بن مالك ولم يصح من عبد الله بن عمر، فمثل هذا هل يقال: بالتكافؤ في الطريقين؟ الجواب لا نقول بالتكافؤ باعتبار أن طريق أنس بن مالك طريق متصلة وصحيحة، وطريق عبد الله بن عمر طريق ضعيفة، فحينئذ نميل إلى الترجيح، ولكن إذا استوت الطرق من جهة العلة فلا نرجح، وهذا هو الأغلب في صنيع العلماء، ومن نظر في كلام أبي حاتم و أبي زرعة وأحمد و الدارقطني وغيرهم في أمثال هذه المسائل، وجد أنهم لا يرجحون إن كانت العلة متقاربة ولا مرجح ظاهر إلا قرائن دقيقة، أو كان الترجيح ضعيفًا أو دقيقًا، وربما لو كان الترجيح ظاهرًا لا يرجح الأئمة إذا كانت الطرق كلها معلولة، كما في هذا الحديث. وهذا الحديث قد جاء من طرق واهية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح منها شيء، كما رواه البيهقي وغيره من حديث الحسين بن عبيد الله عن شريك بن عبد الله النخعي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب إلى الخلاء لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) ، هذا الحديث منكر؛ وذلك أنه قد تفرد به من هذا الوجه الحسين بن عبيد الله وهو متهم بالوضع، وقد حكم ببطلان الخبر غير واحد من الأئمة كابن عدي عليه رحمة الله تعالى في كتابه الكامل، وهذا الحديث من مفاريد الحسين بن عبيد الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت