فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 562

وهنا في مسألة التضاد عند العلماء من جهة الأصل بين المتون، هو نوع إعلال من جهة الأصل، وأنه يؤخذ قرينة في أحد الوجهين أنه يعل الآخر، والذي يظهر لي والله أعلم أن حديث الأمر بالوضوء مع كونه صحيحًا إلا أنه لا يقال: بأن المراد به النقض، وإنما المراد بذلك إما الاستحباب أو تقييده بحال الشهوة، وغلبة الظن بخروج شيء، أما أن يكون ذلك ناقضًا على الإطلاق فهذا لا أرى له وجهًا؛ وذلك لأمور: الأمر الأول: أننا لو قلنا: بأنه ناقض على الإطلاق وأخذنا بعمومه لظهر لنا أن حديث بسرة معلول وضعيف بل منكر، لأن النقض بمس الذكر أمر تعم به البلوى وكما تقدم معنا في درس سابق: أن ما تعم به البلوى إذا لم يرد فيه إلا هذا الحديث من جهة قوته وما دونه في الباب فهي مضعفة فإنه يعل، وأما إذا قلنا بما دون ذلك فإنا أبقينا الإسناد على قوته وقلنا: بالاستحباب، وباب الاستحباب واسع. وثمة قرينة تدل على صرف المعنى عن إطلاقه: وهو أنه جاء عن جماعة من السلف أنهم كانوا لا يتوضئون من مس الذكر، فجاء هذا عن حذيفة بن اليمان و عبد الله بن عباس و سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن مسعود، وجاء أيضًا عن جماعة من التابعين كسعيد بن جبير و طاوس وغيرهم، مع كون هذه المسألة من المسائل الظاهرة التي تتعلق بالأصول؛ لأنها من المسائل المشهورة، وهذا بيناه في درس الجمعة: وأن المسائل المشهورة والأصول عند العلماء في أبواب العلل تختلف عن الأبواب الأخرى، لأن هذه المسألة مما تعم بها البلوى مما يحدث كل يوم عادةً، وإذا قلنا: بحدوثه كل يوم فلا بد أن يرد فيه إسناد قوي، وإذا كانت هذه المسألة أيضًا فوق ذلك حيث تتعلق بركن من أركان الإسلام وهي الصلاة، فكيف لا يرد فيها إلا حديث بمثل هذا الإسناد ويقع فيه اضطراب، ثم لا يروى إلا من هذا الطريق، ثم كيف يخفى على السلف أن هذا الأمر الذي تعم به البلوى ينقض أو لا ينقض؟! هذا لا يتوافق مع أصول الشريعة ونظائرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت