الوجه الثالث: أن المعروف من حال أهل قباء أنهم كانوا يستنجون بالماء فقط، بخلاف غيرهم الذين يستنجون بالحجارة، فالميزة التي كانت لأهل قباء هي الماء، أما الجمع بين الحجارة والماء فلا يثبت فيه خبر، وقد جاء خبر أهل قباء أنهم كانوا يستنجون بالماء في غير ما حديث، فجاء من حديث أبي هريرة و عويم الأنصاري و محمد بن سلمان الفارسي وغيرهم، وهذا دليل على أن هذا الخبر من المفاريد التي لا يقال بثبوتها. الوجه الرابع: أن الصحابة قد جاء عن بعضهم كراهة استعمال الماء في الاستنجاء، قالوا: وذلك للنتن الذي يصل إلى اليد، وذلك أنهم في الزمن الأول كانوا يتناولون الماء تناولًا بالأيدي، وقد جاء هذا عن حذيفة وغيره من السلف أيضًا، فإذا كانت هذه المسألة من الأمور المستقرة ونزلت فيها آية في كتاب الله، فيبعد أن يغيب هذا عن أمثال هؤلاء الفقهاء: وأنهم كانوا يكرهون الاستنجاء بالماء، وقد سئل حذيفة عن ذلك، فقال: إذًا: لا تزال يدي نتنى، يعني: من الاستنجاء، ومثل هذا لو كان فيه نص لاستقر عليه الأمر، وعلى الأقل لتركه الصحابة ترخصًا ولم ينقل عن بعضهم الكراهة. والأحاديث التي جاءت في تخصيص أهل قباء بالاستنجاء في مجموعها لا تخلو من ضعف أصلًا، حديث أبي هريرة و عويم الأنصاري وغيرهم، فهي في ذاتها معلولة لكنها أحسن حالًا من حديث عبد الله بن عباس هذا. والسؤال هنا: إذا كان قد جاء عن أهل قباء أنهم يستنجون بالماء منفردًا، فلا يعل هذا الحديث بما جاء عن الصحابة من كراهة ذلك. والأحاديث التي جاءت عن أهل قباء أنهم يستنجون بالماء ضعيفة، لكن بعض العلماء يصححها؛ لأنه يوجد لها أصل. أما بالنسبة للاستنجاء بالماء والانفراد به فعامة السلف على جوازه، وإنما أوردنا أنه جاء عن بعضهم الكراهة لكونه قرينة، والقرينة قد تضعف وقد تقوى.