فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 562

والقرينة في هذا: أننا نجزم أن التابعي قد وقف عليه لأنه هو الذي رواه، لكن قد يقول قائل في غير هذا الموضع: إن التابعي إذا خالف حديثًا مرويًا عن النبي عليه الصلاة والسلام في بلده، فهل نعل به ذلك الحديث أم لا؟ إذا كان الحديث خالف الفتوى والفتوى خالفت الحديث وكلهم في بلد، فمثلًا سعيد بن جبير في فتاوى المكيين خالفوا حديثًا إسناده مكي عن النبي عليه الصلاة والسلام، فنقول: ينظر إلى ذلك التابعي: هل هو ممن يشتهر بتتبع الأحاديث والمرويات، أم هو مقل الدراية في هذا؟ فإذا كان مقل الدراية في هذا فلا يعل به الحديث، كسعيد بن جبير وبعض الفقهاء من أهل المدينة كابن المسيب و سليمان بن يسار و ابن شهاب، وهؤلاء من أئمة الرواية وأئمة الدراية لا يدعون حديثًا يوجد بالأفواه ثم يفتون بخلافه إلا ولديهم علم عنه، وتركوه لعلة من العلل. وهم في مكة والمدينة في أزمنتهم ليسوا كزماننا حلق العلم متنوعة ومتعددة، والبلدة الواحدة فيها عدة ملايين ونحو ذلك، فالمدينة في ذلك الزمن هي كحي من أحياء هذه البلدة، يعرف الأقصى الأدنى منهم، فكيف بعالم يجتمع وهو رأس الناس في هذه البلد في يومه، ثم يدور في أوساط الناس حديث لا يعلم عنه، ولا ينقل تلامذته له هذا الحديث وهو في مسألة مهمة تتعلق بأمور الناس في يومهم وليلتهم، ثم يقال: إن هذا الحديث لم يصل إليه! وهنا نتكلم على مسألة التغليب، وهذا يرجع فيه إلى القرائن، فينقدح في ذهن الإنسان قوة بإعلال الحديث بأمثال هذه القرائن، وتارةً تضعف تلك القرينة بحسب المسألة الظاهرة، وبحسب الحديث. وكثيرًا ما تكون المسائل في أبواب الفقه فيها خلاف، حتى عند المدنيين، فيرد حديث يؤيد أحد الوجوه، فلا يعل هذا الحديث بالمخالفة الآخر باعتبار ورود الخلاف في هذه المسألة، إلا إذا كان الراوي الذي في أحد الجهتين ممن يفتي بما يخالف هذا الحديث، فهذا من قرائن الإعلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت