العلة الثانية: ثم أيضًا إن هذا الحديث يرويه الحجاج عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري , ولأبي سعيد الخدري ولعطاء أصحاب كثر يروون عنهم, فتفرد الحجاج في هذا الحديث عن عطاء مما لا يحتمل مع الحاجة إليه, واعتماد الأوائل من الأئمة الفقهاء على الأحاديث الموقوفة في هذا الباب دليل على عدم صحة الأحاديث المرفوعة المروية في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبهذا نقول: إنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن القيء أو الرعاف أو القلس ينقض الوضوء, وإنما هي أقوال لجماعة من الفقهاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك من التابعين, حيث جاء هذا عن جماعة من التابعين بنحو ما جاء عن عبد الله بن عمرو فجاء عن سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وإبراهيم النخعي وقال به ابن سيرين. وثبت أيضًا عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله, كما روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب بنحو ما جاء عن عبد الله بن عمرو عليه رضوان الله تعالى. فالثابت عن عبد الله بن عمر من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر فيمن قاء أنه ينصرف ثم يتوضأ ثم يبني إذا لم يتكلم, وهذا كما تقدمت الإشارة إليه قول وجيه, ولهذا الإمام مالك عليه رحمة الله في كتابه الموطأ أورد الموقوف في هذا ولم يورد المرفوع, ولو كان فيه خبر صحيح في هذا لجاء في كتابه, فإنه يعتمد على المرفوع, وإن لم يجد فإنه يعتمد في ذلك على الموقوف, فدل على أن هذه المسألة ليست من المسائل القطعية, ولهذا مال إلى القول بعدم نقض الوضوء بهذه الأشياء غير واحد من الأئمة من السلف. كذلك أيضًا في مسألة البناء على ما تقدم ذهب غير واحد من العلماء إلى عدم القول بهذه الأحاديث المرفوعة, وثمة أقوال أيضًا لجماعة من السلف تخالف ما قال به ابن عمرو وعلي بن أبي طالب و سعيد بن المسيب و إبراهيم النخعي و ابن سيرين وغيرهم.