وهذا الحديث جاء من جهة الأصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال معينة, هذه الحال المعينة أن يكون الإنسان في المسجد ويكون في الصلاة, ولهذا العلماء يفرقون بين حال الإنسان في صلاته, وبين حاله في غير الصلاة, فإذا كان في صلاته فيدفعون من باب الاحتياط, ويقولون: الاحتياط وسوسة. أما إذا كان خارج الصلاة فيستحب الاحتياط من وجوه, منها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ لكل صلاة, فيستحب أن تتوضأ أيضًا لكل صلاة, وأما إذا كان الإنسان في المسجد, فإنه لا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا, وقال غير واحد من العلماء: إن شعبة بن الحجاج اختصر هذا الحديث فرواه بمعناه, قال ذلك أبو حاتم كما في كتابه العلل, والبيهقي عليه رحمة الله كما في كتابه السنن, ولهذا ينبغي أن يعلم أن كثيرًا من الفقهاء يستدلون بأحاديث تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتكون استدلالاتهم فيها في مواضع الرواية بالمعنى على غير وجهها, وإنما رواها من رواها ممن عادته الضبط, كشعبة بن الحجاج فإن عادته أنه يسرد الأحاديث لا يميل إلى الاختصار؛ لأن نفسه ليس على نفس الفقهاء, وإن كان شعبة بن الحجاج عراقيًا؛ لأن نفسه هو من نفس المحدثين الذين يأتون بالروايات على وجهها. إلا أنه لما اختصر هذا الحديث جاء مختصرًا عنه ولم يرجع إلى اللفظ التام, واللفظ التام كما في الصحيحين؛ ولهذا عادة الإمام مسلم في كتابه الصحيح أن يورد الحديث بكامله ولا يقطعه, بخلاف البخاري , فالبخاري يورد الحديث مختصرًا؛ ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يرجع إلى متن من المتون أن يجمع طرق الحديث حتى يقف على المتن تامًا, ثم بعد ذلك يعرف مواضع الاختصار. وإنما قلنا: إن شعبة اختصره لوجوه: الأول: أن مخرج الحديث واحد, وهو سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.