فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 562

وأما بالنسبة لما جاء عنها في التهوين من غسل الجمعة وعدم إيجابه فإن هذا ثابت في الصحيح كما جاء في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: كان الناس مهنة أنفسهم، أي: يخدمون أنفسهم، ويحضرون إلى الصلاة، فقيل لهم: لو اغتسلتم. وهذا فيه إشارة إلى استحباب ذلك، وأن الأمر متعلق بإزالة الرائحة لا باستباحة الصلاة، لا يقال: إن الإنسان يستبيح بهذا الاغتسال الصلاة، وإنما يستحب له دفعًا لأذية غيره من رائحة ونتن؛ لأنه يخدم نفسه. وهذا الذي ثبت عن عائشة عليها رضوان الله يوهن الحديث المرفوع؛ لأن القاعدة التي يذكرها الفقهاء وهي أن العبرة بما يرويه الراوي لا بما يراه هذه قاعدة منكرة بهذا الإطلاق، والصحيح فيها أن يقال: إن ما يراه الراوي إما أن يفسر مرويه المرفوع إما بمزيد بيان، أو بتخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو يعل الحديث المرفوع، ولا يجوز عند أئمة العلل أن يهدر الموقوف لأجل المرفوع، وهذا ليس تقديمًا للموقوف على المرفوع، وإنما العلماء إذا ثبت عندهم الموقوف وكان الحديث المرفوع فيه نوع إعلال أو وهن، أو ظاهره الصحة والموقوف أثبت منه فإن هذا دليل على صرفه عن ظاهره، ومعنى الصرف عن ظاهره هو أن يقال: إذا جاء فيه الأمر إما أن يحمل على الاستحباب، وإما أن يخصص، وإما يلغى، وذلك أنه يبعد عن أئمة السلف خاصة في الوضوء في استباحة الصلاة أن يكون الحديث عندهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتًا ثم يفتون بخلافه، لا يمكن هذا؛ لأن ذلك الجيل مزكون، ومعنى التزكية أنهم لا يمكن أن يتعمدوا في مثل هذه القضايا أن يؤدي الصلاة وهو على غير طهارة، وهذا أمر معلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت