وثمة مسائل وإشارة في هذا أن بعض الأحاديث التي يوردها البخاري في كتابه الصحيح في غير بابها الفقهي، ويكون في بعض ألفاظها دلالة فقهية فيورد ما يخالف ذلك الحديث, فنقول: إن هذا لا يقطع به, باعتبار أن البخاري ما أورده في بابه التام، وإنما يلتمس في ذلك ويتحرى، والأغلب أن البخاري و مسلمًا لا يتنكبان حديثًا هو من الأصول إلا وفيه علة. ثمة أحاديث يتنكبها البخاري و مسلم لكن رسوخ أصلها لا يحتاج إلى إيراد حديث فيها, ورسوخ هذا الأصل مما إذا خالف فيه أحد كفر؛ مثال ذلك: شخص يقول: المياه نجسة, فنجد البخاري و مسلمًا ما أوردا أصلًا في إطلاق طهارة المياه، باعتبار أن هذا أمر ثابت في القرآن وهو أصل أكثر رسوخًا مما يورده البخاري في كتابه الصحيح, ولو جاءنا شخص وقال: إن الأصل في المياه النجاسة كلها, ولا يتوضأ بالماء, بل: بالعصير، واللبن، والتراب, ونتيمم بالحصى, فنقول: هذا ضلال وكفر وخروج من الملة, ولهذا نقول في مثل هذه الأمور: إن ثمة أفرادًا قليلة لا تخرم تلك القاعدة التي نتكلم عليها. ومن الأمور المهمة في هذا: أن البخاري في الأحاديث التي يحتاج إلى إيرادها يترجم لها ويورد حديثًا بعيد الدلالة، ويكون الحديث ظاهر الدلالة خارج الصحيح ويتنكبه البخاري , فيترجم ترجمة صريحة ويورد في الباب حديثًا ليس بظاهر الدلالة, بل ضعيف الدلالة أو قاصر الدلالة, فماذا نحكم على الحديث خارج الصحيح؟ فالبخاري ما خالفه, بل أورد في بابه ما يعضده فنقول: هذا إشارة أو كالنص بإعلاله؛ لأن البخاري في ذلك يريد أن يدلل على شيء يعضده، فلما تنكب ذلك الحديث دل على أنه معلول عنده أو لا يرتقي إلى درجة الصحة.