منهم وارتد عن دينه وكان كافرا من أشد الناس عداوة لله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا يستثنى من ذلك إلا المكره وهو الذي يقع تحت سلطان الكفار فيأمرونه بطاعتهم في باطلهم ويهددونه بالقتل أو يشرعون في تعذيبه فيجوز له عندئذ فقط الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان ومع أن هذا الأمر يدخل في معنى الشهادتين كما تقدم فإنه ورد في القرآن آيات كثيرة جدا تفرض على المؤمن قطع الولاء للكفار وتوجب عليه معاداتهم في الدين ويدل كثير من هذه الآيات في ظاهره على كفر وردة من لم يقم بهذه الفريضة فإذا رجعت إلى المعنى الذي تدل عليه الشهادتان وجمعته مع هذا الظاهر الذي تدل عليه هذه النصوص عرفت أنه على حقيقته ولا يجوز تأويله ونذكر لك فيما يلي بعض هذه النصوص لا جميعها فإنها كثيرة كثيرة لا يزيد عليها إلا ما جاء بخصوص التوحيد والأمر بعبادة الله:
1 -قوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران - الآية 28] .
فنهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء وأصحابا من دون المؤمنين وأخبر أن من فعل ذلك فليس من الله في شيء قال: ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ) (ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء يعني بذلك فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر) وأما قوله تعالى (إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) فهو كقوله تعالى {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل:106) وهو أن يكون المسلم مقهورا معهم لا يقدر على عداوتهم فيظهر لهم من المعاشرة والقلب مطمئن بالإيمان بالله ومليء بالعداوة والبغضاء للكفر وأعداء الله قال: ابن جرير (إلا أن تتقوا وتضمروا لهم العداوة ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل) وسيأتيك إن شاء الله تعالى بيان حد الإكراه المعتبر في هذا المقام.
2 -قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ