فإذا جاءنا حديث قد كثر الرواية عن هذا الراوي الذي له دراية، وتعددت الطرق عنه ونحو ذلك في أثر لا يعتني به، وهو من المسائل الدقيقة في الفقه، فهذا لا يحتمل معه تنوع المجالس وتعددها، ولا يحتمل معه أن يروي هذا الحديث في أكثر من موضع؛ فإذا روى هذا الحديث مثلًا كسليمان بن يسار أو سعيد بن المسيب أو خارجة بن زيد وغيرهم, فهؤلاء من الفقهاء من المدينة ومن كبارهم، فلا يحتمل أن يرووا الحديث أكثر من مرة، فيروي عنه الكوفي والبصري والشامي أثرًا واحدًا، لا مما تعم به البلوى, وإنما من الأمور اليسيرة، وينفرد راو من الرواة بما هو دونه مرتبة, فيروي في معنى مما لا يحتاجه الناس، فعلى هذا ننكر الأول، والثاني قد نحتمله، وهذا ما ينبغي لطالب العلم أن يلتفت إليه فيما يخص الراوي في ذاته، وكذلك عنايته بالمتن. كذلك أيضًا ذات المتن وتعلقه بالباب الذي هو فيه، وتعلقه بأبواب ما تعم به البلوى في أمور النجاسات، وكذلك في أمور الأقوال، وعناية أهل الفقه به, وكذلك العناية بأهل تلك الطبقة. وقد يقال أيضًا: من وجوه النكارة في هذه الحديث أن هذا الحديث يروى عن فقيه أهل المدينة وهو سعيد بن المسيب عن عمار بن ياسر وهذا من وجوه النكارة, أن يروى هذا الحديث عن سعيد، ولو روي عن غير سعيد لكان أهون. ولهذا بعض الناظرين في الأسانيد فينظر إلى الراوي وإلى جلالته فقط ثم يصحح المتن، بل قد تكون جلالة الراوي مما يقضي على المتن؛ لأن سعيد بن المسيب ممن يقول بطهارة المني، وهذا ما تقدمت الإشارة إليه، أن الراوي إذا روى حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتضمن حكمًا ثم أفتى بخلافه، فإن الفتيا تعل المرفوع، وكذلك فإن سعيد بن المسيب بلغ من الفقه والدراية ما لا يروي مثل هذا الحديث بمثل هذا السياق.