وأما ما جاء عند ابن حبان من حديث هشام بن يوسف عن ابن جريج عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبل قائمًا) ، فهذا قد رواه ابن جريج عن نافع، والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا الخبر لم يسمعه ابن جريج من نافع، وقد وهم وغلط فيه ودلسه، و ابن جريج معروف بالتدليس، فابن جريج يروي عن عبد الكريم بن أبي المخارق ودلسه هنا ولم يبينه، والدليل على ذلك أنه قد جاء من طريق أخرى من حديث عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تبل قائمًا) ، فدل على أن ابن جريج قد دلس عبد الكريم بن أبي المخارق، وقد أشار إلى ذلك ابن حبان عليه رحمة الله في كتابه الصحيح لما أخرج هذا الطريق فقال: أخاف أن ابن جريج لم يسمعه من نافع إنما رواه عن عبد الكريم بن أبي المخارق وهذا هو الظاهر، و ابن جريج لا تقبل روايته إذا لم يصرح بالسماع إذا روى عن مثل نافع وتفرد برواية غير أهل بلده، إلا من كان مكثرًا بالرواية عنه فإن روايته في ذلك تحمل على القبول، وهذا ما استقام في ذلك المتن. ولا أعلم حديثًا صحيحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على النهي عن البول قائمًا، وإنما جاء من فعله عليه الصلاة والسلام هذا وهذا، وجاء في ذلك آثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء في هذا الباب من حديث عبد الله بن بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من الجفاء أن يبول الرجل قائمًا) ، وهذا الحديث لا يصح وليس بمحفوظ، وقد وقع في إسناده اضطراب، كما نص على ذلك البخاري وقال الترمذي: بأنه ليس بمحفوظ.