ولهذا الأمر كان الأئمة عليهم رحمة الله تعالى على صحة هذا الحديث، ولم يلتفتوا إلى تلك العلل فيه، ودفعوا تلك الجهالة بقرائن أقوى منها. الوجه الخامس: عمل الأئمة المستفيض, فإنهم كانوا ممن يركب البحر، وأحل الله جل وعلا صيد البحر، وسماه: لَحْمًا طَرِيًّا [النحل:14] ، وهذا دليل على أنه منغمس في طاهر, ولم يأمرنا الشارع بتنقيته من ممازجته لماء البحر، وإن كان الأئمة عليهم رحمة الله تعالى لا يقولون: بنجاسة ماء البحر حتى من قال: بعدم التطهر منه، وإنما يقولون: إنه قد تغير بممازج وهو الملح، فحينئذ قالوا: لا يجوز التطهر به، وعلى هذا فإنه لا يدخل على قولهم مياه الأنهار المستفيضة, والقول بعدم طهورية ماء البحر قول مهجور, قد قال به بعض الصحابة، وعلى هذا اعتضد قول من قال بذلك لعدم ورود الإجماع, فمن قال بعلة الحديث من جهة الإسناد, قال: إن الأئمة لم تتلقاه بالقبول باعتبار أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى روي عنهم عدم العمل به، وممن روي عنه ذلك عبد الله بن عمرو كما روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث هشام عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: ماء البحر لا يجزي من وضوء ولا جنابة, إن تحت الماء نار، وتحت النار ماء، ثم ذكر سبعة أبحر، وسبعة نيران, وهذا الحديث إسناده صحيح عن عبد الله بن عمرو. وكذلك أيضًا ما جاء عن عبد الله بن عمر كما روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث قتادة عن عقبة بن صهبان عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى قال: التيمم أحب إلي من الوضوء من ماء البحر، فإذا قال ذلك فإن الأصل أن من عدل عن الماء إلى التيمم -مع أنه لا يجوز استعمال التراب في حال وجود الماء للصحيح- دليل على أنه لا يرى الإجزاء، وهذا إسناد صحيح عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى.