فالعلماء حينما يعلون رجلًا بالجهالة، يقول: لماذا لم يعلم؟ لأن الأصل في الرواة العلم بأحوالهم، والبروز إلى الناس، وحضور الميادين والمجالس، ولما كان الأصل في النساء عدم الظهور للرجال كان الأصل في أحوالهن الجهالة، ولهذا تجد الإنسان ربما الجار لا يعرف حال امرأة جارة، ولو سئل عنها هل هي ضابطة للرواية -وليس المراد بذلك العدالة الدينية، وإنما ضبط الرواية- لما عرف ذلك مع أنه جاره له عشرون أو ثلاثون سنة، وأما أحوال الجيران من الذكور فيستطيع أن يحكم على حال جاره لمعاشرته لسنة وسنتين ونحو ذلك. إذًا: فالأصل في النساء في طبيعتها هو عدم العلم, بخلاف الرجال فإن الأصل بهم العلم، ولما كان الأصل في أبواب الرواية الاحتياط والاحتراز فإنه يضعف بضعف أسبابه، وضعف الأسباب هنا هو ضعف أسباب الوقوف على حال المرأة، وحينئذ يقلل من أبواب الاحتياط. وأبواب الاحتياط ظهرت هنا في هذا الأمر من وجوه متعددة: أنه في ابتداء الإسناد إسحاق وهو زوج حميدة، وانتهاء الإسناد أبو قتادة وهو صحابي، والذي تروي عنه هي زوجة ابنه ابن أبي قتادة عليه رضوان الله تعالى, وهي حينئذ أعلم الناس بما يرويه أبو زوجها، فتكون حينئذ ممن يعلم بحديثه من جهة سياقه ومراده بالألفاظ ونحو ذلك فتضبط الحديث فتنقله حينئذ. وكذلك فإن حميدة روت عن كبشة وهي خالتها، ولم ترو عن امرأة أجنبية، والمرأة ترى خالتها في مجالس كثيرة، وتعلم ضبطها للرواية ونحو ذلك. رابعًا: أن البيت بيت علم، وهذا من قرائن دفع الجهالة، فإن بيت إسحاق هو بيت علم، وإن جهلت ذوات النساء من جهة معرفة حالها في كثرة العبادة ونحو ذلك، فإن الأولى زوجة ابن صحابي والثانية وهي حميدة زوجة إسحاق بن عبد الله وهو من كبار الرواة، ومن أهل الدراية من المدنيين، ويكفيه في هذا أنه شيخ الإمام مالك عليه رحمة الله، وقد أخذ عنه الإمام مالك جملة من مروياته.