ولهذا الأئمة لم يلتفتوا إلى علة الجهالة في هذا الباب، فينبغي لطالب العلم في أبواب الجهالة ألا يعل الرواية مباشرة بهذا الأمر، وإنما يسبر أحوال الرواة من جهة معرفة ذواتهم وطبقتهم وأجناسهم وبلدانهم، والمتون التي رووها، وعدد الأحاديث، وعدد شيوخهم وتلامذتهم, فعدد الشيوخ والتلاميذ له أثر في ذلك، والغالب في كتب المصطلح كما تقدمت الإشارة إليه أنهم يذكرون كم الذي روى عن ذلك الراوي فقط، ولكنهم لا يشيرون إلى شيوخهم، فتجد في أحوال كثير من الناس أنه يكثر الطلب ولكنه لا يعلم الناس ولا يدرسهم، فتجد له عشرين شيخًا وثلاثين شيخًا ونحو ذلك، ولكنه لا يحدث إلا الواحد والاثنين، ولطبيعة فطرية. فبعض الناس يحب الخمول ولا يحب أن يحدث أحدًا ونحو ذلك، لطبيعة فطرية أو لانشغال ونحو ذلك فطرأ عليه شيء قطعه عن العلم، وقطعة عن تبليغ العلم فحدث الواحد والاثنين، وهذا أمر موجود معلوم، ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يسبر الشيوخ كما يسبر التلاميذ، وأن يسبر المتون، وأن ينظر في عددها، وهذا المتن إذا نظرنا فيه نجد أنه مستقيم مع الأصول وعليه العمل، وذلك من وجوه: أولًا: من جهة اتخاذ الإنسان للهرة، وهذا محل إجماع عند العلماء من السلف وأنه لا إشكال في ذلك، ولهذا كان أبو هريرة عليه رضوان الله تعالى يلقب بذلك لهر كان معه، يعني: أن الإنسان إذا كان لديه هرة في داره ونحو ذلك فإن هذا مما يغتفر فيه بخلاف تعمد الإنسان لقناية الكلب، فإن هذا مما هو محرم؛ فلو جاءنا حديث أو لفظ بالتيسير في أمر الكلب، ونحن نعلم أن التشديد فيه قد جاء في حديث فنقول: إنه لا يستقيم مع الأصول، ولكن لما كان التسامح في أمر الهرة فقد جاء هذا الحديث على مقتضى ذلك الأصل فيقال: إنه يعضده الأصول، وليس هذا الحديث مما يخرج عن ذلك السياق.