ولكن نستطيع أن نقسم أحاديث عبد الله بن لهيعة من جهة الضبط أو سهولة أو يسر الضعف أن نقول: إن ما يرويه عبد الله بن لهيعة قبل احتراق كتبه، ويرويه عنه أصحابه القدامى في أبواب القضاء فهذا أمثل حديثه؛ لأن عبد الله بن لهيعة كان قاضيًا، والإنسان حين يمارس عملًا فإنه أقرب الناس إلى معرفة الأحكام وضبطها؛ ولهذا نجد أن الاختصاص عند العلماء معتبر، كحال بعض الرواة الذين يروون أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام فيضعفون ولكنهم أئمة في أبواب، كأبواب القراءات كحفص بن عاصم، ونافع، وغيرهم، هؤلاء من جهة الرواية ضعفاء، ومن جهة ما يروونه في أبواب القراءة هم أئمة كبار، وعلى هذا نقول: إن الاختصاص في معرفة حال الراوي مطلب، هذه هي المرتبة الأولى. يليها بعد ذلك مرتبة ما يروى عن عبد الله بن لهيعة من قدماء أصحابه عنه، ولكن في غير أبواب القضاء، فهذا يلي تلك المرتبة. ثم بعد ذلك المرتبة الثالثة بعد هذا يقال: ما يرويه عبد الله بن لهيعة في أبواب القضاء فيما يرويه عنه من روى عنه بعد الاختلاط في آخر أمره. ثم المرتبة الرابعة في ذلك: من روى عنه بعد الاختلاط في غير أبواب القضاء، فيكون حينئذٍ لدينا حديث على أربع مراتب. وإنما ذكرنا أبواب القضاء أنه بالسبر لأحاديث عبد الله بن لهيعة في أمور القضاء أنها أمثل الأحاديث مع وجود الخطأ فيها، إلا أنها أقل الأحاديث خطأً، وهي بحاجة للتوقف فيها أيضًا عند التفرد، وذكرنا مرارًا أن الاختصاص مطلب للتدقيق، وهذا الاختصاص له وجوه وقرائن وصور منها أن يكون الرجل مؤذنًا، ومنها أن يكون الرجل مثلًا إمامًا، أو يكون الرجل مثلًا مهتمًا بالبيوع (تاجرًا) ، أو يكون الرجل مثلًا من أهل الجهاد في سبيل الله، أو أهل الأقضية، أو أهل القراءة، أو أهل السير والمغازي ونحو ذلك، هؤلاء في بابهم يضبطون مالا يضبطه غيرهم، وهذا أمر ينبغي أن يتنبه له حال البحث عن الرواة وينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار.