وبهذا نعلم أن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من القول بعدم الوضوء من مس الذكر أنها لا تخلو من علل، أمثلها حديث قيس وهو عندي حسن، وحديث قيس إنما قلنا بحسنه مع كلام العلماء على قيس ككلام الإمام أحمد عليه رحمة الله بقوله: غيره أثبت منه تجريحًا له، وكذلك إشارة الشافعي وتضعيف بعض العلماء له، لكن قد وثقه بعضهم كابن معين عليه رحمة الله في رواية، فنقول: إن قيس بن طلق يروي عن أبيه، وروايته عن أبيه في الغالب منضبطة، والحكم في ذلك بين. وأيضًا فإنه من طبقة التابعين، وقد روى عنه هذا الخبر جماعة، مما يدل على أن الرواية قد تعددت، فالخبر حينما يرويه راو ويروي عن هذا الراوي جماعة، إشارة إلى أنه قد حدث بهذا الحديث في أكثر من مجلس، ويستثنى من هذا المشهورون، لأن المشهور يعقد مجالس للتحديث بخلاف المستور، فالمستور ليس له مجالس وإنما إذا لقي أحدًا عرضًا في طريقه حدثه بهذا الحديث، أو لقيه في المسجد ونحو ذلك، فحديث الثلاثة عنه إشارة إلى تكرار هذا المجلس، فروى عنه عبد الله بن بدر و محمد بن جابر و أيوب بن عتبة و عكرمة بن عمار، كلهم رووا عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي الحنفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه إشارات إلى ضبط اللفظ، ولم يختلف أحد منهم عليه بقلب اللفظ عن معناه. وأيضًا فإن هذا الحديث من جهة معناه مستقيم ويجري على أصول الشريعة من أمور الاحتياط، ولا يعني من ذلك عدم الوضوء على الإطلاق، وإنما هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما هو بضعة منك) ، إشارة إلى أنه حكمه حكم سائر جسد الإنسان، ويستثنى من ذلك الأمور العارضة التي تستلزم ورود الناقض على الإنسان.