كذلك أيضًا فإن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في مسألة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم روى صفة الوضوء عنه جماعة كثر؛ كعبد الله بن زيد و عبد الله بن عباس و ابن عمر و المغيرة , و عثمان , و عمر بن الخطاب , ولم يأتي مسح التثليث للرأس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في روايات في بعض طرق الأحاديث عن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومسح الرأس كما تقدمت الإشارة إليه مرارًا هو من الأمور التي يحتاج إليها, فهو مما تعم به البلوى, فمسح الرأس يعم به البلوى؛ الإنسان يتلبس به كثيرًا في اليوم والليلة, فلما لم ينقل عدد في ذلك مع ذكر العدد لما قبله وما بعده بل ذكر العدد لما دونه أيضًا, كالمضمضة والاستنشاق فمسح الأذنين دون المسح, وبهذا نعلم أن الأحكام إذا وردت وهي دون المسألة, وذكر ما يعل به الأشهر لقلة وروده أو وروده من وجه غريب أو ضعيف فإن هذا من علامات الإعلال. فمسح الرأس من أركان الوضوء ولا خلاف عند العلماء فيه, وإنما المسألة في ذكر العدد في مسح الرأس, فلما جاءت الصفات في صفات الوضوء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر العدد قبل الرأس وبعده ثلاثًا ثم يترك الرأس بلا عدد في عامة المرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة دل على أن العدد لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه يصح. والأمر الآخر: ما تقدمت الإشارة إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه (أنه تمضمض ثلاثًا, واستنشق ثلاثًا, بل واستنثر ثلاثًا) , وهذا على قول جماعة من العلماء أن هذا ليس من الواجبات, فإعلال الحديث بمثل هذه القرائن وجيه؛ وذلك أنه ينبغي لطالب العلم في حال نظره لرواية من المرويات أن ينظر للمسائل المقترنة في هذا الباب.