ومما يعضد ذلك ويؤكده أيضًا: ما جاء عند البخاري في كتابه الصحيح من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة: (أنه توضأ فغسل يديه حتى شرع في العضد, وغسل رجليه حتى شرع في الساق) , وهذا أيضًا أصله في مسلم من حديث أبي حازم عن أبي هريرة , (فتوضأ فقيل له: أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هذا منتهى الحلية) , ومراده في ذلك أن يبين أن فعله ذلك إنما هو حمل على فهم فهمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا على نص, وذلك أن أبا هريرة لو كان لديه نص صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المسألة لقاله؛ لأن أبا هريرة عليه رضوان الله تعالى لا يجامل في أحاديث الأحكام, بل يرمي بها بين أظهرهم كما جاء عنه, ولو كان لديه نص في ذلك لما أحجم عن رواية هذه, وكذلك أيضًا لرواها عنه الثقات. الأمر الثالث: أن مثل هذا الفعل لو كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاء من غير هذا الوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم, فقد نقلت صفة الوضوء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة, فلما لم تنقل دل على أنها إنما جاءت في مثل هذا الطريق. الأمر الرابع: أن أبا هريرة يستتر بهذا الفعل, ولو كان هذا الفعل عند أبي هريرة من السنة وثبت النص فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعًا لم تبرأ الذمة إلا ببيانه ونقله, والمجاهرة بفعله, ولو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع للزمه ولفعله أيضًا غيره, خاصة أن أبا هريرة هو من متأخري الإسلام من الصحابة؛ وذلك أنه أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنين.