عند المتأخرين يعلونه بالانقطاع، ويظهر إعلالهم بالانقطاع، وهذا لا يعني انعدام إعلال الانقطاع عند المتقدمين، ولكن إشارات يسيرة، والأصل فيه أنهم يشيرون إلى التفرد، ويشتهر الإعلال بالانقطاع عند المتأخرين أكثر من الإعلال بالتفرد؛ لأن الانقطاع أظهر من جهة البيان والوضوح؛ لهذا نقول: إن أقوى العلل في هذا الحديث هي التفرد في رواية الحارث بن عيينة، وهو كوفي، وقد تفرد بهذا الحديث عن عبد الجبار بن وائل بن حجر. وهذا الحديث من جهة العمل به يقال: إن السنة أن يتوضأ، ولكن ليس على سبيل الوجوب، وهذا يحتج به بعض الفقهاء، ويقولون بوجوب الوضوء للمؤذن، ومن أذن بلا وضوء فقد بطل أذانه، وهذا قول مرجوح، وعمدته أيضًا قول مرجوح. وأيضًا من العلل في هذا الحديث أنه ذكر القيام في الأذان، وقد جاء عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أذن وهو قاعد، وقد ترجم البخاري عليه رحمة الله على ذلك في كتابه الصحيح، ولو كان لا يؤذن إلا من يستطيع القيام لما فعلوا ذلك؛ لأن الأذان يشهد، ويراه الناس، الناس يؤذنون في الصدر الأول على سطوح المساجد والدور، ويقيمون على سطوح المساجد والدور، ولا يقيمون داخل المساجد. وبهذا ندرك أيضًا فائدة أن المؤذن لا مكان له معلوم في المسجد عندهم، بخلاف المتأخرين يضعون مكان المؤذن أنه يكون خلف الإمام، وليس كذلك؛ ولهذا بلال يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: لا تسبقني بآمين. يعني أنه يقيم فوق سطح المسجد ثم ينزل، فإذا انتهى الأذان كبر وهو ينزل في العتبات، أو في السلم، فإذا الناس قد صفوا فيكون المؤذن في آخر الصف.