والاختصاص لا حد له، فهناك اختصاص في الرواة، واختصاص في البلدان أن يكون من بلده، فمدني يروي عن مدني، وخالفه في ذلك بصري ونحو ذلك، والمدني من أهل ذلك البلد ومستديم فيها، وذلك لوجود قرائن عديدة أنه سمع الحديث منه أكثر من مرة، خاصة في بلدان الناس في السابق، فإنك تجد البلدة الواحدة يسكنها الألف والألفين والثلاثة، يعني: أشخاص معدودون، وربما أقل من ذلك، فيلتقي به أكثر من مرة، ويحدث عنه، وربما سمع حديثه عنه بواسطة آخرين ونحو ذلك، فرسخ في ذهنه أنه ضابط، فجاء والحديث من غير هذا الوجه, فأكد تلك الرواية الأولى ونحو ذلك، فكان ثمة قرائن تدل على ضبط أهل الاختصاص لذلك، وهو أيضًا في أبواب الشيوخ، وأبواب المتون. ومنها ما لا يمكن أن يتحصل للإنسان إلا بالسبر، وأصعب ذلك وأشده هو أبواب المتون، وهو أن بعض الرواة يكون من أهل الاختصاص بالطهارة، ولا تعرف أنه من الاختصاص في أبواب الطهارة إلا أن تكون من أهل النظر في فقهه، فتكون مثلًا ممن يعرف فقه عكرمة، وهو يعتني بأي باب من أبواب الأحكام، فهو من أهل الفقه، لكن لماذا تجد أن ستين بالمائة أو سبعين بالمائة من فقهه في باب كذا؟ هذا لأنه اختص بهذا الباب، والنفوس إذا تشوفت إلى باب من الأبواب ضبطته؛ كالذي يعتني بالشعر وحكايات الأولين ونحو ذلك, فتجده يعتني بذلك، بخلاف غيرها من أمور الناس، وإن كانت آكد منها. ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالمتون وتباينها من جهة قبولها وردها، فأحاديث الأحكام قوية، فينبغي أن يحترز فيها أكثر من احترازه في غيرها, وأن يعتني في اختصاص الرواة في أبواب دون غيرها.