ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يضبط الرواة في كل بلد، فيعرف البلد الذي فيه الفقهاء وعددهم، وشيوخهم، وتلاميذهم, والأبواب التي يعتنون بها، فإن معرفة ذلك تجعله من أصحاب البصيرة في أبواب النقد, فإذا وجد راو من الرواة روى حديثًا مرفوعًا، ثم جهل طالب العلم أو الناقد فقهه فإنه ربما يقع في قصور في حكمه عليه, فإن الراوي قد يروي حديثًا مرفوعًا وفي فقهه ما يخالف ذلك المرفوع, وعند الأئمة أن الراوي إذا روى خبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي فقهه ما يخالف الخبر المرفوع أن هذا علامة على ضعف المرفوع. قد يقول قائل: الأصوليون يقولون: إن العبرة بما رواه الراوي لا بما رآه, فنقول: هذه قاعدة غير صحيحة في أبواب العلل غير, قد تكون قاعدة نظرية عند الأصوليين، وعند الفقهاء من جهة رواية الأقوال وحكايتها ونحو ذلك, ولكن من جهة العلل فإن الأئمة يقولون بعكسها، وعكسها في هذا أن الراوي إذا روى خبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أفتى بخلافه فإن هذا من علامات الضعف لذلك الحديث, وقد يقطع بعض الأئمة بذلك, ثم قد يكون هذا من الصحابة, وقد يكون من التابعين, وقد يكون من أتباع التابعين, فلهذا ينبغي لطالب العلم إذا وقف على إسناد أن ينظر في الرواة من منهم الفقيه, فإذا كان فيهم فقيه رجع إلى فقهه ليقارنه بالمتضمن في هذا المتن, فإذا كان ذلك المتن يدل على معنى من المعاني ووجد الفقيه يفتي به فهذا من قرائن تقوية الحديث, كما أن المخالفة من قرائن التعليل، وكذلك الموافقة للحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرائن القبول, وهذا هو في كل طبقة. ولهذا الأئمة عليهم رحمة الله تعالى يضعفون بعض الأحاديث لمخالفة بعض الرواة لها؛ كما ضعف الإمام مسلم عليه رحمة الله تعالى في كتابه التمييز حديث أبي هريرة في المسح على الخفين؛ قال: لأن أبا هريرة يخالف ذلك, ولو صح عنده الحديث لما قال بخلافه.