قد جاء في «صحيح مسلم» في حديث جابر في ذِكْر حجة الوداع أن النبي - صلى الله عليه وسلم- خطب بعرفة فقال: - وذكر الخطبة وفيها: «وأَوَّلُ دم أَضَعُهُ دَمُ ابن ربيعة بن الحارث» . كان مسترضعًا في بني سعد، فقتلته هذيل. هكذا أخرجه - [400] - مسلم [1] ، فقال: «دم ابن ربيعة بن الحارث» . وكذا جاء في كتاب الحميدي. وقد جاء في «كتاب أبي داود» في ذكر حجَّة الوداع، فقال: «وَأَوَّلُ دَم أَضَعُهُ دَمُ ابنِ ربيعة بن الحَارث» في رواية عثمان بن أبي شيبة، وفي رواية سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: «دَمُ ربيعة بن الحارث» .
وقد جاء في كتاب أبي داود أيضًا في موضع آخر: «وَأَوَّلُ دَم أَضَعُهُ دَم الحارث بن عبد المطلب» . وقد أخذ الخطّابي على أبي داود هذه الرواية، فقال: إن المُسْتَرضِع كان ربيعة بن الحارث، لا الحارث. ويمكن أن يُعْتَذَر لأبي داود من وجهين:
أحدهما: أنه أراد بدم الحارث دم ولده، فإنَّه مستحقه؛ لأن الوارث يطلب بدمه، إِذا كان طالبًا دم من يرثه.
والثاني: أن أبا داود قد بَيَّنَ الخلاف في الرواية الأولى، فقال: عن عثمان بن أبي شيبة أنه ابن ربيعة، وقال عن سليمان بن عبد الرحمن: إنه ربيعة بن الحارث. فبهذا التقسيم يندفع أخذ الخطابي عليه.
وقال ابن عبد البر: إِن المقتول هو ابن ربيعة بن الحارث، وذلك أن ربيعة بن الحارث قتل له في الجاهلية ابن يقال له: آدم، وقيل: تمام، وقيل: إِياس. فلمَّا قال النبي - صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح: «وَأَوَّلُ دَم أَضَعُهُ دَمُ ربيعة بن الحارث» أراد به الدَّمَ الذي يستحقه ربيعة، وهو دم ابنه المقتول المُسْتَرْضِع في بني سَعْد.
ولقائل أن يقول مُعارضًا للخطابي في قوله: إِن ربيعة بن الحارث هو المقتول بما ورد في «صحيح مسلم» ، وكتاب ابن عبد البر وإِحدى روايتي أبي داود من أن المقتول هو ابن ربيعة لا ربيعة، ويعضد هذه الأقوال ما ثبت في كتب التواريخ ومعارف الصحابة أن ربيعة بن الحارث عُمّر، وصحب النبي - صلى الله عليه وسلم-، وأولد ومات في سنة ثلاث وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب.
وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أحاديث. وممن روى عنه ابنه عبد المطلب، اللهمَّ إِلا أن يقال: إن الحارث كان له ولد يقال له: ربيعة، غير هذا الذي عُمّر وأولد، وأن ذلك كان المسترضع المقتول، فيكون هذا عذر للخطابي إن صحَّ هذا القول والله أعلم.
(1) انظر الحديث رقم (1795) .
[تعليق أيمن صالح شعبان - ط دار الكتب العلمية] (888) لم أعثر على ترجمته.