فهرس الكتاب

الصفحة 12837 من 13129

هو أبو حنيفة النعمانُ بنُ ثابت بن زُوْطَا بن ماه الإِمام الفقيه الكوفي مولى تيم الله بن ثعلبة، وهو من رهط حَمْزَةَ الزَّيَات، وكان رضي الله عنه خزازًا يبيع الخزّ، له ذِكْر في الأشعار من كتاب الحج [1] ، وكان جده زُوْطا من أهل كابُل، وقيل: من أهل بابل، وقيل: من الأنْبار، وكان مملوكًا لبني تيم الله بن ثعلبة فأُعتِقَ [2] ، ووُلِدَ أبوه ثابت على الإسلام. قال إسماعيل بن حماد بن بن ثابت بن أبي حنيفة: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارسَ من الأحرار، والله ما وقع علينا رقّ قط، وُلِدَ جدي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى - [953] - عليِّ بن أبي طالب، وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أن يكونَ اللهُ قد استجابَ ذلك لعلي فينا. وُلِدَ سنةَ ثمانين، ومات ببغدادَ سنة خمسين ومائة، وقيل: إحدى وخمسين وقيل: سنة ثلاث وخمسين، والأول أصح وأكثر، ودُفِنَ بمقابرِ الخَيْزُران، وقبرُه معروف ببغداد، وكان في أيام أبي حنيفة أربعة من الصحابة: أنسُ بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد السَّاعدي بالمدينة، وأبو الطّفيل عامر بن واثِلة بمكة، ولم يلقَ أحدًا منهم ولا أخَذَ عنه؛ وأصحابُه يقولون: إنه لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، ولا يثَبتُ ذلك عند أهل النقل. وأخذ الفقه عن حمادِ بن أبي سليمان.

وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السَّبيعي، ومُحارب بن دِثار، والهيثم بن حبيب، ومحمد بن المنكدر، ونافعًا مولى ابن عمر، وهِشام بن عروة، وسِماك بن حرب.

روى عنه عبدُ الله بن المبارك، ووكيعُ بن الجرَّاح، ويزيدُ بن هارون، وعلي بن عاصم، والقاضي أبو يُوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهُم.

نقله المنصورُ من الكوفة إلى بغدادَ فأقامَ بها إلى أن مات فيها، وكان أكرهه ابنُ هُبَيْرة أيامَ مروان بن محمد الأموي على القضاء بالكوفة فأبى فضربه مائة سوط في عشرة أيام، كل يوم عشرة، فلمَّا رأى ذلك خلَّى سبيلَه، ولمّا أشْخَصه المنصورُ إلى العراقِ أرادَه على القضاء، فأبى فحلفَ عليه ليفعلنَّ وحلفَ أبو حنيفة لا يفعل، وتكررت الإيمانُ منهما فحبسَه المنصورُ، ومات في الحبسِ، وقيل: إنه افتدى نفسَه بأن تولى عدد اللبن ولم يصح.

كان رَبْعَة من الرِّجالِ، وقيل: كان طوالًا تعلوه سمرة حسنُ الوجه، أحسنُ الناسِ منطقًا وأحلاهم نعمة، حسن المجلس، شَديدَ الكرم، حسن المواساة لإخوانه. قال الشافعي رحمه الله: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيتُ رجلًا لو كلَّمك في هذه الساريةِ أن يجعلَها ذهبًا لقام بحجته. وقال الشافعي: من أراد الحديث فعليه بمالك، ومن أراد الجدلَ فعليه بأبي حنيفة. وقال الشافعي: من أراد أن يتبحَّر في الفقهِ فهو عِيال على أبي حنيفة [3] . ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله لأطلْنا الخُطب، ولم نصلْ إلى الغرض منها، فإنه كان عالمًا عاملًا، زاهدًا، عابدًا، - [954] - ورعًا، تقيًا، إمامًا في علوم الشريعة مرضيًا، وقد نسب إليه وقيل عنه من الأقاويل المختلفة التي نجلُّ قدره عنها ويتنزه منها؛ من القول بخلقِ القرآن، والقول بالقدر، والقول بالإرجاء، وغير ذلك مما نُسب إليه.

ولا حاجة إلى ذكرها ولا إلى ذكر قائليها، والظاهر أنه كان منزهًا عنها، ويدل على صحة نزاهته عنها، ما نشر الله تعالى له من الذِّكْر المنتشر في الآفاق، والعلم الذي طبق الأرض، والأَخْذ بمذهبه وفقهه والرجوع إلى قوله وفعله، وإن ذلك لو لم يكن لله فيه سرّ خفي، ورضى إِلهيّ، وفقه الله له لما اجتمع شطرُ الإسلامِ أو ما يقاربهُ على تقليده، والعمل برأيه ومذهبه حتى قد عُبِدَ اللهُ ودِيْنَ بفقهه، وعُمل برأيه، ومذهبه، وأُخذَ بقوله إلى يومنا هذا ما يقارب أربعمائة وخمسين سنة، وفي هذا أدل دليل على صحة مذهبه، وعقيدته، وأنما قيل عنه هو منزَّه منه، وقد جمع أبو جعفر الطحاوي - وهو من أكبر الآخذين بمذهبه - كتابًا سماه «عقيدةُ أبي حنيفةَ - رحمه الله-» وهي عقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة، وليس فيها شيء مما نُسبَ إليه وقيل عنه، وأصحابه أخبرُ بحاله وبقوله من غيرهم، فالرجوعُ إلى ما نقلوه عنه أوْلى مما نقله غيرُهم عنه، وقد ذُكِر أيضًا سبب قول من قال عنه ما قال والحامل له على ما نسب إليه، ولا حاجة بنا إلى ذكر ما قالوه، فإن مثل أبي حنيفة ومحلُه في الإسلام لا يحتاجُ إلى دليل يُعْتَذَرُ به مما نُسب إليه. والله أعلم.

(1) انظر الحديث رقم (1659) .

(2) قوله:"وكان مملوكًا لبني تيم الله بن ثعلبة فأعتق"سقطت من م.

(3) قوله:"وقال الشافعي: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة"سقطت من م.

[تعليق أيمن صالح شعبان - ط دار الكتب العلمية] (2780) تهذيب الكمال (3/1415) ، تهذيب التهذيب (10/449) ، (817) ، تقريب التهذيب (2/ 303) ، خلاصة تهذيب الكمال (3/95) ، الكاشف (3/205) ، تاريخ البخاري الكبير (8/81) ، تاريخ البخاري الصغير (2/43) ، (100) ، (230) ، الجرح والتعديل (8/2062) ، ميزان الاعتدال (4/265) ، تاريخ أسماء الثقات (1477) ، الأنساب (6/64) ، الكامل (7/2472) ، الضعفاء الكبير (4/268) ، المعين (546) ، تراجم الأحبار (4/122) ، التاريخ لابن معين (3/67) ، تاريخ الثقات (450) ، تاريخ بغداد (13/423، 424) ، سير الأعلام (6/390) ، الحاشية، معرفة الثقات (1853) ، ضعفاء بن الجوزي (3/163) ، ديوان الإسلام (ت763) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت