وأما حقه الخاص على المتعلم فَلِمَا بذله من تعليمه، والحرص على ما يرشده ويوصله إلى أعلى الدرجات، فليس نفع الآباء والأمهات نظيراً لنفع المعلمين والمربين للناس، بصغار العلم قبل كباره، الباذلين نفائس أوقاتهم وصفوة أفكارهم في تفهيم المسترشدين بكل طريق ووسيلة يقدرون عليها، وإذا كان من أحسن إلى الإنسان بهديَّة مالية ينتفع بها، ثم تذهب وتزول، له حق كبير على المحسن إليه، فما الظن بهدايا العلم النافع الكثيرة المتنوعة؛ الباقي نفعها ما دام العبد حياً وبعد مماته المتسلسل بحسب حال تلك الهدايا، فحينئذٍ يعرف حقه ويوقره ويحسن الأدب معه.
ولا يخرج عن إشارته وإرشاده، وليجلس بين يديه متأدباً ويظهر غاية حاجته إلى علمه، ويدعو له حاضراً وغائباً، وإذا أتحفه بفائدة وتوضيح لعلم فلا يظهر له أنه قد عرفه قبل ذلك وإن كان عارفاً له، بل يصغي إليه إصغاء المتطلب بشدة إلى الفائدة، هذا فيما يعرفه؟! فكيف بما لا يعرفه؟ ولهذا كان هذا الأدب مستحسناً مع كل أحد في العلوم والمخاطبات في الأمور الدينية والدنيوية.
وإذا أخطأ المعلم في شيء فلينبهه برفق ولطف بحسب المقام، ولا يقول له أخطأت أو ليس الأمر كما تقول، بل يأتي بعبارة لطيفة يدرك بها المعلم خطأه من دون أن يتشوش قلبه، فإن هذا من الحقوق اللازمة، وهو أدعى للوصول إلى الصواب، فإن الرد الذي يصحبه سوء الأدب وانزعاج القلب يمنع من تصور الصواب ومن قصده.
وكما أن هذا لازم على المتعلم، فعلى المعلم إذا أخطأ أن يرجع إلى الحق، ولا يمنعه قولٌ قاله ثم رأى الحق في خلافه من مراجعة الحق والرجوع إليه، فإن هذا علامة الإنصاف والتواضع للحق، فالواجب اتباع الصواب سواء جاء على يد الصغير أو الكبير.
ومن نعمة الله على المعلم أن يجد من تلاميذه من ينبهه على خطائه ويرشده إلى الصواب، ويزول استمراره على جهله، فهذا يحتاج إلى شكر الله ثم إلى شكر من أجرى الله الهدي على يديه متعلماً أو غيره.