وفيه يجب على السالك أن يتخلىّ عن كل شيء في الدنيا، فكل ما فيها تافه لا قيمة له، فما هذه البحار الشاسعة إلا بركة صغيرة، وما الأفلاك والأنجم إلا كورقة شجرة، كما يجب على السالك ألا يطمع في شيء مطلقا؟ فما العالمان إلا كذرة رمل تافهة.
وإذا ما أضاء برق الاستغناء فإن لهيبه يحرق مائة عالم في لحظة واحدة، وعلى السالك أن يتخلى عن روحه في هذا الوادي، وأن يقطع كل صلة له بقلبه لأن من يسلك هذا الوادي بالروح والقلب يكون أكثر شركا من المشركين أنفسهم.
خامسا: وادي التوحيد:
وهو منزل التجريد والتفريد، وفيه يرى السالك الكثرة قلة حتى يصل الكل إلى أن يكون واحدا، ولا أهمية للأزل ولا للأبد في هذا الوادي، ومن لم يفن من السالكين في الوحدة والاتحاد فهو غير جدير بالإنسانية، وعندما يصل السالك إلى مجال التوحيد، فإنه لا يشعر بالمكان ولا بنفسه، ويصبح الجزء كلا، بل ويتلاشى الكل والجزء وتتلاشى فيه الأعضاء والروح ويصبح العقل عديم القيمة في هذا الوادي، وفي هذا الوادي تختلط الصورة بالصفة.
وما أن يصل السالك إلى حد التوحيد والتفريد، فإنه يصل إلى حد الاضطراب وعدم القدرة على أن يفرق بين نفسه وبين ربه لأن هذا الوادي فيه تتلاشى الثنائية ولا بقاء إلا للوحدانية.