ذلك الملك الذي كانت الآفاق تحت إمرته، كانت لديه فتاة جميلة كالقمر تعيش في بلاطه، كانت كملاك رائع الجمال في الحسن، أو كالربيع والسرو في الملاحة والحسن، وكم جرحت مئات القلوب بطرتها، فكل شعرة منها عرق ترتبط به روح، ووجها يبدو كالفردوس، كما يبدو حاجبها وكأنه القوس، ولما كانت السهام تنطلق من هذا القوس، فقد أقبل قاب قوسين مثنيا عليها، أما عينها الشبيهة بالنرجسة الثملة المحاطة بأهداب شوكية، فقد أردت الكثيرين من أهل الحجا والعقل، ووجه الشبيهة بالعذراء هذه، في جمال شمس الفلك، بل إنه يفوق في الحسن بدر الفلك، ودرها وياقوتها وهما قوت الروح، قد جعلا روح القدس في دهشة على الدوام، وإذا تبسمت شفتاها، مات ماء الحياة صاديا، وطلب الإحسان والإنعام من شفتيها، وكل من أدام النظر إلى ذقنها، سقط منكس الرأس في قعر نونها، وكل من أصبح أسير وجهها القمري، سرعان ما تردى في نونها بلا رسن
أخيرا مثل أمام السلطان غلام في جمال البدر، ليتولى الخدمة، وما كان يتمتع به هذا الغلام من الجمال، قد أصاب الشمس والقمر بالمحاق والزوال، وفي بسيط عالمه لا قرين له، وفي الحسن الفتان لا مثيل له، ومئات الألوف من الخلق في السوق والمحلة، قد بهرهم ذلك الوجه كالشمس.
وقضاء وقدرا رأت تلك الفتاة ذات يوم وجه غلام السلطان، ففقدت السيطرة على قلبها وغاصت في الأحزان، وتوارى عقلها وراء الحجب، لقد ذهب العقل واشتد بها العشق، وأصيبت روحها بالمرارة والألم، وتملكها التفكر والتدبر وقتا من الزمن، وفقدت في النهاية الراحة والاستقرار. وذابت شوقا، كما احترقت بألم الفراق، وغص قلبها
بالألم بسبب الذوبان والحرقة والاشتياق، وكان لها عشر مطربات من الجواري الحسان، وكن على مرتبة عالية في ترديد الأغاني، فكن في العزف كالبلبل الصداح، ولحنهن الداودي كان يسعد الأرواح، فشرحت لهن حالها في التو والحال، وأقرت بفناء الاسم والشهرة والروح، فكل من يتضح له عشق الأحبة، كيف تستطيع روحه الاستقرار في موضعها، وقالت: