فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 454

وقضاء وقدرا رأت تلك الفتاة ذات يوم وجه غلام السلطان، ففقدت السيطرة على قلبها وغاصت في الأحزان، وتوارى عقلها وراء الحجب، لقد ذهب العقل واشتد بها العشق، وأصيبت روحها بالمرارة والألم، وتملكها التفكر والتدبر وقتا من الزمن، وفقدت في النهاية الراحة والاستقرار. وذابت شوقا، كما احترقت بألم الفراق، وغص قلبها

بالألم بسبب الذوبان والحرقة والاشتياق، وكان لها عشر مطربات من الجواري الحسان، وكن على مرتبة عالية في ترديد الأغاني، فكن في العزف كالبلبل الصداح، ولحنهن الداودي كان يسعد الأرواح، فشرحت لهن حالها في التو والحال، وأقرت بفناء الاسم والشهرة والروح، فكل من يتضح له عشق الأحبة، كيف تستطيع روحه الاستقرار في موضعها، وقالت:

إن أفصح للغلام عن عشقي، يكن خطأ كبيرا، لأن هذا بعيد عن الصواب. كما أن الحشمة تصيبني بالكثير من المضار، وأنى لهذا الغلام أن يصل من مثلي؟ وإن لم أفصح عن قصتي، أمت خلف الحجب متألمة متأوهة، لقد قرأت زهاء مائة كتاب أملا في الصبر! فماذا أفعل؟ لقد نفذ صبري كما أصبحت عاجزة. وما أبغيه من سروي القد، أدرك أنه لا علم له به، فإن يتم تحقيق مقصودي هذا، فإن أمر روحي يكون وفق مرادي.

عندما سمعت المطربات هذا القول، قلن لها: لا تحزني! بالليل نحضره خفية أمامك، ولن يكون لديه أي خبر عن ذلك.

وأخيرا ذهبت إحداهن متخفية أمام الغلام، وقالت: الآن أقدم له الخمر والكأس وأضع في الخمر دواء مذهبا للعقل، فلا جرم أن يسري في أوصاله فقدان الشعور.

ما أن احتسى الغلام ذلك الخمر، حتى فقد صوابه، وهكذا كلل سعي تلك الجارية الفاتنة بالنجاح، وظل الغلام الفضي الصدر ثملا لا يعرف شيئا عن كلا العالمين، وذلك طوال اليوم حتى المساء.

ما أن أقبل الليل حتى جاءت الجواري صوبه في حذر واضطراب، ثم وضعنه في فراشه، وحملنه خفية إلى تلك الفتاة، وبسرعة أجلسنه على

عرش ونثرن عليه ماء الورد والمسك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت