يدرك السالكون في محيط الألم، ماذا يصنع فناء العشق مع الرجال، فيا من اختلط وجودك بالعدم، واختلطت لذاتك بالألم، ما لم تقض فترة في ألم واضطراب، فكيف تدرك أي خبر عن وجودك؟ لقد قفزت كالبرق فاتحا يدك، ولكنك توقفت أمام كومة من الثلج. فأي عمل هذا الذي تفعله؟ تقدم بشجاعة، وأحرق العقل وتقدم كالمجنون. فإن
ترغب في فعل هذا السر، فتقدم ذات مرة متفحصا ولو للحظة، لقد أكثرت من التفكير، فتخل عن نفسك مثلي، وافقد الشعور بالذات لحظة، حتى تصل في النهاية إلى الفقر، وتصل في كمال الذوق إلى الفناء
من أكون أنا؟ لا بقاء لي ولا لغيري، فشرى أعظم من العقل وأعظم كذلك من خيري. لقد فنيت في نفسي دفعة واحدة، ولا حيلة لي غير الذلة والمسكنة، وما أن أشرقت أمامي شمس الفقر، فسرعان ما أدركت أن كلا العالمين عديما القيمة، وعند ما رأيت شعاع هذه الشمس، أصابني الفناء، وهكذا عاد الماء إلى مجاريه، وكل ما حملته وكل ما لعبت به، ألقيت به كله في الماء الآسن، لقد فنيت وصرت إلى العدم، وما بقيت مطلقا، وأصبحت ظلا، وما بقيت مني ذرة واحدة حائرة. وكنت قطرة، ففنيت في بحر الأسرار، ولا أجد اليوم تلك القطرة مرة أخرى، ومع أن الفناء ليس في متناول كل إنسان، فقد فنيت ومثلي كثيرون، ومن ذا الذي لن يصيبه الفناء من بين ساكني العالم من الأرض إلى السماء؟
فلا بد من الفناء لهم جميعا، وسواء قصرت حياتهم أو طالت، لا بد لهم من الفناء
سأل أحد الصالحين النوري [1] هذا السؤال: كيف يكون الطريق
(1) النوري: اسمه أحمد بن محمد وقيل محمد بن محمد، وهذا أصح ويعرف باسم ابن البغوي لأن والده من مدينة بغشور التي كانت تقع بين هراة ومرو، وكان مولده ومنشأه في بغداد، وصحب سرى السقطي ومحمد بن علي القصاب وأحمد بن الحواري، كما رأى ذا النون، وكان من أقران الجنيد وعند ما مات، قال الجنيد: ذهب نصف هذا العلم بموت النوري. انظر نفحات الأنس ص 7978.