وأعجب الأيام يومه، فهو ينزف دما من آلام قلبه، وعندما يصل عمره إلى آخر زفرة، يرفرف بجناحيه إلى الأمام والخلف، وتتطاير النار من جناحه، بعد ذلك تصبح النار كل حاله، وسرعان ما تسقط النار في
الحطب، فتحرق حطبه وهو في قمة السرور، ويصبح الطائر والحطب كلاهما جمرة من نار، ثم تتحول الجمرة بعد ذلك إلى رماد وما أن يختفي كل شيء، حتى يبدو الققنس من بين الرماد. إن النار تحيل الحطب رمادا، فكيف يعاود الققنس الظهور من بين الرماد؟
ما حدث هذا الإنسان قط في الحياة، ومن ذا الذي يلد أو يولد بعد الممات، وإن تمنح عمرا مديدا كالققنس، فإما أن تموت، وإما أن تكلف بالمزيد من الأعمال، كم ألم الاضطراب بالققنس خلال الألف سنة، فكثيرا ما كان ينوح حزنا على نفسه ويطلق الآهات، وقد قضى تلك السنوات حبيس الأحزان والغمة، بلا ولد ولا زوجة، حبيس الوحدة والعزلة، كان عديم القربة في جميع الأرجاء، وقد استراح من محنة الأولاد والنساء، وعندما حل به الأجل في آخر حياته، أصبحت ذرات رماده نثارا في مهب الرياح
لعلك تعلم أنه بسبب مخلب الأجل، لن يستطيع فرد إنقاذ روحه، ولو بشتى الحيل. وفي جميع الآفاق، لا وجود لإنسان لن يدركه الموت، وانظر إلى هذه العجائب، إذ لا حيلة لأي شخص حيالها أو قوة، ومهما كان الأجل ظالما قاسيا، فعليك أن تطأطىء له الرأس راضيا، وإذا كانت أمور كثيرة ألمت بنا، فهذا الأمر أقسى منها وأشد بالنسبة لنا.
كان أحد الأطفال يتوجه صوب قبر أبيه وهو يذرف الدمع، ويقول: أبي، إن هذا اليوم الذي أصاب روحي بالآلام، ما أصابني مثله من قبل طوال أيامي.