الققنس النادر طائر جذاب، ومقر هذا الطائر بلاد الهند والبنجاب، له منقار صلب طويل عجيب يشبه الناي، وبه العديد من الثقوب، ففيه ما يقرب من مائة ثقب وفتحة، ولا زوج له إذ يعيش في عزلة، ولكل ثقب نغمة متباينة، ووراء كل نغمة أسرار مغايرة، فإن ينح بكل الثقوب متأوها، يفقد السمك والطير راحتها واستقرارها، ويسيطر الصمت على جميع الطيور، وتصبح إزاء صوته فاقدة الشعور، وأمام مكانته هذه هام به فيلسوف، وتعلم الموسيقى من صوته العذب.
وكان عمر الققنس قد ناهز الألف أو اقترب، لذا وضح أن موعد أجله قد قرب، وعندما حان وقت انتزاع قلبه وموته، إذا به يجمع حوله من الحطب مائة كومة، ويظل لا يعرف الراحة والاستقرار وسط الحطب، ويواصل النواح بحرقة واضطراب، فكان كل ثقب يرسل بفعل روحه الطاهرة، نواحا متباينا يحمل الأسى والحرقة، وعندما ينوح بكل الثقوب، يكون لكل ثقب لحن مختلف، وفي وسط النواح كانت فرائصه ترتعد، خشية الموت وكأنه ورقة شجر.
أمام هذا الصراخ وذلك الصوت، كانت الطير جميعها، وكذلك الحيوانات المفترسة، تقبل صوبه لتنظره، وقلوبهم قد تخلت عن الدنيا لشدة أحزانهم، وفي ذلك اليوم وبسبب ما به من غم، ما أكثر الحيوانات التي تسلم الروح أمامه! ويصبح الكل حيارى من النواح، ويصير البعض من العجز فاقدي الأرواح.
وأعجب الأيام يومه، فهو ينزف دما من آلام قلبه، وعندما يصل عمره إلى آخر زفرة، يرفرف بجناحيه إلى الأمام والخلف، وتتطاير النار من جناحه، بعد ذلك تصبح النار كل حاله، وسرعان ما تسقط النار في
الحطب، فتحرق حطبه وهو في قمة السرور، ويصبح الطائر والحطب كلاهما جمرة من نار، ثم تتحول الجمرة بعد ذلك إلى رماد وما أن يختفي كل شيء، حتى يبدو الققنس من بين الرماد. إن النار تحيل الحطب رمادا، فكيف يعاود الققنس الظهور من بين الرماد؟