قال الهدهد: أيها الجاهل بخبايا البحر، إنه غاص بالتماسيح وذوات الروح، ماؤه مر أحيانا، ومالح أحيانا، يسوده الهدوء أحيانا، ويعتريه الاضطراب أحيانا. والشيء المضطرب غير المستقر، تارة إلى الأمام يندفع، وتارة إلى الوراء ينحسر، ما أكثر السفن التي تحطمت فيه بالعظماء، وما أكثر من سقطوا في دوامته وماتوا. وكل من يسلك فيه طريقا، كما يفعل الغواص، يحبس أنفاسه فلا يصرح بشيء من همومه،
لأنه لو تحدث شخص في قاع البحر، مات، وسقط كالعشب في قاعه، ولا يمكن عقد الأمل مع مثل هذا الشخص العديم الوفاء
إن لم تتجنب البحر، فنهايتك الغرق في خضمه، وهو في اضطراب شوقا للحبيب، لذا تتلاطم أمواجه أحيانا، ويهدر أحيانا، فإذا كان لا يدرك بغية قلبه، فلن تجد بغية قلبك كذلك لديه، وما البحر إلا نبع من محيط عالمه، فلم تقنع أنت بالتخلي عن وجهه؟.
غاص رجل ذو بصيرة في بحر، فقال: لم تبدو أزرق اللون أيها البحر؟ ولم ترتدي لباس الحداد؟ ولم تفور وتغلي، ولست بالنار شبيها؟.
أجاب البحر على طيب القلب قائلا: إنني مضطرب لفراق الحبيب، كما أنني ضعيف الشأن ولست ندا له، لذا نسجت لباس المأتم الأزرق حزنا عليه، وجلست صادي الشفتين مشتت الفكر، فقد جعلتني نار عشقه مضطربا، فإن أحظ بقطرة من ماء كوثره، أعش إلى الأبد على أعتابه، وإلا، فأمثالي من العطشى كثيرون، وهم في طريقه طوال الليل والنهار يموتون