في هذه الدنيا المظلمة، الروح هي المرشد، وجوهر العلم يسمو بروحك، وأنت في هذه الظلمة قد عدمت الرأس والقدم، كما أصبحت كالإسكندر عديم المرشد، وإن تجمع الكثير من الجواهر، فستجد نفسك أكثر الناس ندما، وهذه الدنيا وتلك لا قيمة لهما في عالم الروح. فالروح خفية عن الجسد، والجسد خفي عن الروح. وعندما
خرجت من القلة انتقلت إلى القلة أيضا، لأن هذه المنزلة خاصة بالآدمي فقط
إن تصل هناك إلى هذا المكان الخاص، فستجد في كل لحظة مئات الأسرار، وإن تظل في هذا الطريق، فالويل لك، حيث تفنى في البكاء من أولك إلى آخرك، لا تنم بالليل، ولا تشغل بالأكل في النهار، فربما يظهر هذا الطلب فيك، فاطلب حتى يصيبك الطلب بالفناء، وإلا فسيصيبك الأكل نهارا والنوم ليلا بالفناء!
أصيب عاشق بالاضطراب من فرط العشق، فنام على التراب في ذلة وانكسار، ثم مر به معشوقه وهو في مرقده هذا، فرآه نائما وقد غاب عن وعيه، فكتب وريقة تليق به وربطها على كم عاشقه، وما أن استيقظ عاشقه من نومه، وقرأ الوريقة، حتى سيطر الحزن عليه، وكان المكتوب يقول:
أيها الرجل الخامل، إن كنت تاجرا للفضة، فانهض، واسع، وإن كنت زاهدا، فتهجد بالليل، وعش في تضرع حتى النهار، وكن لله عابدا، وإن كنت عاشقا، فليعترك الخجل، فمتى جاز لعين العاشق أن تنام؟ فالعاشق كالريح بالنهار، وفي الليل يبدو في حرقته كالقمر، ولما كنت يا عديم الضياء لا هذا ولا ذاك، فقلل من التفاخر الكاذب بعشقنا، فإذا نام العاشق ففي الكفن، أما أنت فعاشق لنفسك. وإن كنت بالعشق جاهلا، فاهدأ بالنوم لأنك لست للعشق أهلا.