وبعد سماع هذا الكلام كله، سارعت جميع طيور الوادي، بتنكيس الرؤوس في دماء الأكباد، وعلمت جميعها، أن هذه القوس الصعبة، لا تقوى عليها سواعد حفنة من العجزة، ولم تجد أرواحهم الاستقرار بسبب هذا القول، وما أكثر الذين ماتوا من العجز في ذلك المنزل، وأما الطيور الأخرى التي اندفعت إلى المسير، فبفعل ما سيطر عليها من تحير، قضت سنوات متنقلة بين مرتفع ومنخفض، وقضوا في طريقهم عمرا مديدا، وكيف أستطيع شرح وتفسير كل ما وقع لهم في المسير، فإن تسلك الطريق ذات يوم، فستلاحظ عقباته واحدة واحدة، وستعلم ما فعله الطير، وسيتضح لك كيف تحملت الآلام والهموم.
في النهاية استطاع نفر قليل من بين ذلك الحشد قطع الطريق إلى
الحضرة، فقد وصل نفر قليل من كل أولئك الطير، فهناك يصل واحد من بين كل عدة آلاف. لقد غرق البعض في البحر، كما أصيب البعض بالفناء، وأسلم البعض الأرواح عطشى، وذلك على قمم الجبال من شدة الحرارة والآلام، وأصيب البعض من وهج الشمس باحتراق الأجنحة وشواء الأرواح، وأصيب البعض بالذلة والمهانة، مما بالطريق من أسود ونمور، ومات البعض من التعب في صحراء صادية الشفة، وقتل البعض أنفسهم كالفراشة، من أجل تعلقهم بالحبوب، وأصاب الألم البعض وكذا الوهن، مما دهمهم بالتخلف والهجران، وتوقف البعض أمام عجائب الطريق، فلزم كل منهم موقعه، وأسلم البعض أجسادهم للطرب وكفوا بعد ذلك عن الطلب