بعد ذلك يتضح وادي العشق، ومن يصل هناك يغرق في الحرقة، فلا تجعل يا إلهي أي فرد في هذا الوادي بلا حرقة، ولا تجعل عيش من لا يتردى في الحرقة سعيدا مسرورا، فالعاشق من يكون في نار وحرقة، كما يكون متقد القلب ملتهبا ثائرا. العاشق من لا يفكر لحظة في العاقبة، إنما يكون غارقا في النار كبرق الدنيا، وفي لحظة لا يعرف الكفر ولا الدين، كما لا يعرف ذرة من شك أو يقين، الخير والشر متساويان في طريقه، فإذا جاء العشق نفسه، فلا وجود لهذا أو ذاك.
يا من تكترث، إن هذا الكلام ليس لك، فأنت مرتد، وهذا الذوق لم يتوفر لروحك، فكل من يتطهر، يطرح المادة جانبا، ثم يقامر بروحه في وصال الحبيب، لقد وعد الآخرون بالغد، أما هو فيأخذ حسابه في التو والحال، وطالما لم يحرق نفسه دفعة واحدة، فكيف يستطيع التخلص من الآلام والهموم؟ وطالما لم يحرق الجواهر في وجوده، فكيف يمكن أن يضيء قلبه فرحا وسرورا، إنه يختلج دائما في حرقة وانصهار، حتى يعود أدراجه مرة أخرى، كالسمكة إذا ما انتزعت من الماء إلى اليابسة، تملكها الاضطراب، لعلها تلقى في البحر ثانية.
العشق نار هناك، أما العقل فدخان، فما أن يقبل العشق حتى يفر العقل مسرعا، والعقل ليس أستاذا في مجال العشق، وليس العشق وليد العقل، وحتى لو منحت حق الاطلاع على عالم الغيب، فلن تدرك من أين ينبت هناك أصل العشق، وكل ورقة في عالم العشق، ستطرح رأسها على كتف أختها ثملة بالعشق، وإن منحت فرصة الاطلاع على
الغيب مرة أخرى، أصبحت ذرات الدنيا قرينة لك.