ذلك التضارب البادي في كلام العطار ولكن كل ما يهمني من كلام العطار هو ما جاء بطبيعة الحال في منطق الطير، ونهاية القصة دليل واضح على أن العطار من أنصار وحدة الشهود وأن الأقوال التي قالها ويشتم منها الاعتقاد بوحدة الوجود قد جاءت عن غير قصد نتيجة لحالة الوجد الشديدة التي كانت تسيطر عليه، ونتيجة لأنه شاعر ثرثار أحيانا لا يعرف كيف يجعل لكلامه حدودا يقف عندها.
وإذا كان العطار مؤمنا بوحدة الشهود وليس من أنصار وحدة الوجود فهو ليس حلوليا ولا من أنصار دعوتي «أنا الله» للحلاج أو «سبحاني ما أعظم شأني» لبا يزيد، ويكفي لإثبات صحة هذا القول ذكر هذين البيتين (1159، 1061) :
وكل من أصبح مستغرقا هكذا، حاش لله أن يقول «أنا الحق» .
فمتى كان الرجل المستغرق حلوليا؟ ومتى كان هذا القول من شأن الفضولي؟
وهكذا نرى أن العطار لا يجعل التصوف وسيلة يترقى بها السالك ليكون إلها، بل يجعله طريقا للاتصال بالله والفناء عن الصفات الذميمة للبقاء معه بالصفات الحسنة.
يقول المستشرق الايطالي انتونيو بيزاني في كتابه القيم «قصة الأدب الفارسي» .
«إن عنصرا ملامتيا يبدو متخللا كل الشعر الغنائي التقليدي
الفارسي وكأنه مدح للكفر وللبدعة وللخمر فهو يذكر دائما مع مدح هذه الأشياء، وان الأمثلة القديمة لهذا العنصر تجدها في الشعر الغنائي خاصة التي ترمز إلى المسيحية وإن هذا العنصر يتحول ويتغير بنفسه إلى صورة صوفية وأروع مثال لها هو قصة الشيخ صنعان، وقد قص قصته فريد الدين العطار في منطق الطير» (1)