فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 454

قال هذا، ثم لزم الصمت، وفقد العقل في هذا الصمت، وأخيرا أدركه رسول العناية، فأخذ يلهج بالشكر بعد الشكاية، فما أن فاقت آلام السلطان كل حد، حتى أسرع الوزير بالاختفاء في تلك الآونة، وأظهر ذلك الغلام خفية، ثم أرسله أمام سلطان الدنيا، فخرج من خلف الحجاب كما يخرج القمر من بين السحاب، ومثل أمام السلطان

يحمل كفنا وسيفا، وسقط على الأرض أمام السلطان وبكى بكاء مرا، وتساقطت دموعه كالمطر.

عندما رأى سلطان الدنيا ذلك البدر، لا أعلم ماذا أقول في هذا الزمان، فقد وقع السلطان على الأرض، كما تدرج الغلام في الدم، ولا يعلم أحد قط، كيف وقعت هذه العجائب. فكل ما أقوله بعد ذلك لا يصح قوله، فإذا كان الدر في القاع، لا يمكن ثقبه، وما أن أدرك السلطان من فراقه الخلاص، حتى ذهبا سويا إلى الإيوان الخاص، وبعد هذا لم يقف أحد قط على الأسرار، لأن ذلك المكان ليس موضعا للأغيار فأنّي للأعمى أن يرى وللأصم أن يسمع ما كان ينطق به أحدهما، وما ينصت إليه الآخر؟ ومن أكون أنا حتى أستطيع شرح ما حدث، وإن أشرح ذلك، أسبب الآلام لروحي، إذ كيف أشرح ما لم أقف عليه؟

لذا يلزمني الصمت، حيث أصابني العجز في ذلك، وإن يسمح لي سادتي بشرحه فليأمروني بسرعة شرحه، ولقد أتممت في هذا الوقت الكلام، والآن جاء وقت العمل، لأنني كثيرا ما أتكلم، والسلام.

* * *خاتمة الكتاب(44764424)

لقد نثرت يا عطار نافجة المسك المليئة بالأسرار، على هذا العالم في كل آونة، فامتلأت آفاق الدنيا بعطرك، كما زاد اضطراب عشاق الدنيا بسببك، فتكلم دائما في العشق، وردد دواما أغاني العشاق، فشعرك يمد العشاق بذخيرة على الدوام، كما يتخذه العشاق حلية على مر الأيام، وختم عليك منطق الطير ومقامات الطيور، كما ختم على الشمس بالنور، وهذه المقامات طريق أي حائر، كما أنها ديوان أي مضطرب، فتخل عن اضطرابك وحيرتك وتقدم إلى هذا الديوان، وحصن روحك، وتقدم إلى

هذا الميدان، وفي هذه الحالة لا تظهر الروح في ذلك الميدان، بل لا يظهر الميدان نفسه، وإن تتقاعس عن التقدم إليه مما بك من اضطراب، فلن تظهر لك منه ذرة من تراب وإذا انطلقت مطية آلامك، فتقدم. وإن تخط فيه، فحقق أملك وطالما لا يصبح اليأس قوتك، فكيف يستطيع قلبك المبهوت العيش، وتحمل الآلام فدواؤك هو داؤك، وداؤك في كلا العالمين هو دواء روحك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت