فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 454

لقد نثرت يا عطار نافجة المسك المليئة بالأسرار، على هذا العالم في كل آونة، فامتلأت آفاق الدنيا بعطرك، كما زاد اضطراب عشاق الدنيا بسببك، فتكلم دائما في العشق، وردد دواما أغاني العشاق، فشعرك يمد العشاق بذخيرة على الدوام، كما يتخذه العشاق حلية على مر الأيام، وختم عليك منطق الطير ومقامات الطيور، كما ختم على الشمس بالنور، وهذه المقامات طريق أي حائر، كما أنها ديوان أي مضطرب، فتخل عن اضطرابك وحيرتك وتقدم إلى هذا الديوان، وحصن روحك، وتقدم إلى

هذا الميدان، وفي هذه الحالة لا تظهر الروح في ذلك الميدان، بل لا يظهر الميدان نفسه، وإن تتقاعس عن التقدم إليه مما بك من اضطراب، فلن تظهر لك منه ذرة من تراب وإذا انطلقت مطية آلامك، فتقدم. وإن تخط فيه، فحقق أملك وطالما لا يصبح اليأس قوتك، فكيف يستطيع قلبك المبهوت العيش، وتحمل الآلام فدواؤك هو داؤك، وداؤك في كلا العالمين هو دواء روحك.

أيها السالك، لا تنظر إلى كتابي على أنه شعر أو أنه يتسم بالتقدير، ولكن انظر في دفتري من باب الآلام والاضطراب، فلعلك تصدق ألما واحدا من آلامي العديدة، ويحمل كرة الحظ على الأعتاب من ينظر إلى العمل من زاوية الألم والاضطراب، فتخل عن الزهد والسذاجة، إذ لابد من التردي في الألم.

إلهي، لتحرم كل من شغل بالآلام من كل دواء، ولتحرم كل راغب في الدواء من الروح، ولتجعل الإنسان على الدوام ظمآن، جائعا، ساهدا، ولا توصله إلى الماء أبدا، فكل من يتنسم قولا من هذا الديوان دون أن يدرك شعرة من طريق العشاق، ليس خليقا بأفعال الرجال. أما من اطلع عليه فقد أصبح خليقا بالأعمال، ومن أدركه تحققت سعادته.

أهل الصورة غرقى بحار كلامي، وأهل المعنى رجال أسراري، وهذا الكتاب حلية الأيام، وفيه نصيب للخاص والعام، ومن يشبه الثلج ويطلع على هذا الكتاب، يخرج كالنار متقدا من خلف الحجاب. ونظمي يتسم بميزة عجيبة، إذ يولد في كل آونة معاني جديدة، فإذا تيسرت لك مطالعته أكثر من مرة، فسيزداد، بلا ريب، حسنا لديك في كل مرة، ولا يمكن أن ترتفع الحجب عن هذه العروس المدللة، إلا بالتدرج.

وإلى يوم القيامة لن يكتب إنسان قط كلاما مثل كلامي أنا الولهان،

فقد نثرت الدر من بحر الحقيقة، كما ختم الكلام علي، وهذه هي الوثيقة وإن أثن كثيرا على نفسي، فمتى يستعذب شخص ذلك الثناء مني؟ ولكن المنصف نفسه يعرف قدري، لذا فلن يختفي نور بدري، ولقد أخفيت حالي، ولم أقل إلا القليل، حيث سينصفني، بلا ريب، كل عالم بفنون القول. وإن لا أبق حتى يوم القيامة، فقد بقيت بذلك الذي نثرته على مفرق البرية، لذا سأذكر على لسان القوم حتى يوم القيامة، وكفاني هذه التذكرة، وإن تلاشت من الوجود هذه الأفلاك التسعة، فلن تضيع من هذه التذكرة أي نقطة، وإن يوضح هذا الكتاب الطريق لأي شخص، فإنه يرفع بعد ذلك الحجب من أمامه، ومن يصل إلى الطمأنينة من هذه التذكرة فليدع: ليحفظ الله قائلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت