الجديد والقديم هنا لا قيمة لهما، فلا ترغب في شيء هنا مطلقا، وإن كنت قد رأيت الدنيا مكتوبة القلب، فما رأيته ليس إلا حلما، وإذا سقطت آلاف الأرواح في هذا البحر، فكأنها قطرة ندى سقطت في هذا البحر اللانهائي، وإذا استسلم مئات الألوف إلى النوم، فإنهم يصبحون بفعل الشمس كذرة مع الظل، وإذا تساقطت الأفلاك والأنجم قطعة قطعة، فكأنما سقطت ورقة شجر واحدة في هذه الدنيا، وإذا أصبحت الدنيا من البحر إلى القمر عدما في عدم، فكأنما عرجت نملة في قاع بئر، وإذا خرب العالمان دفعة واحدة، فهب أن حبة رمل قد انعدمت من
الأرض. وإذا لم يبق أدنى أثر للناس والشيطان، فكأنما سقطت قطرة مطر واحدة، وإذا سار الكل إلى التراب، فأي بأس إن اختفت شعرة كائن حي واحدة، وإذا ضاع الجزء والكل هنا، فقد نقصت ورقة تبن واحدة من على وجه الأرض، وإذا نقصت هذه الأفلاك التسعة مرة واحدة، فما نقصت غير قطرة ماء من البحار السبعة.
كان في قريتنا شاب في جمال البدر، فسقط هذا البدر الشبيه بيوسف في البئر، وانهال عليه الكثير من التراب، وأخرجه في النهاية أحد الأشخاص، فاضطرب حاله، كما أصابه الزمان بالعديد من المصائب. كان اسم هذا الشاب الطيب المحتد «محمدا» وهكذا تسمى بعد قدومه إلى الحياة مباشرة. وقد قال له الوالد حين رآه مضطربا: يا ولدي، ويا نور العين ويا روح الوالد، ويا محمد، تلطف مع أبيك، وانطق بكلمة واحدة! فقال في النهاية: ما الكلمة؟ ومن محمد؟ ومن الغلام؟ ومن الإنسان؟ قال هذا وأسلم الروح. وهذا ما حدث.
وكفى.
انظر أيها السالك، يا من يتصف ببعد النظر، أين محمد؟
وأين آدم، وتنبه! ثم أين آدم، وأين ماله من ذريات؟ وأين أسماء الجزئيات والكليات؟ وأين الأرض؟ وأين الجبال والبحار؟ وأين الفلك؟ وأين الملائكة والشياطين؟ وأين الخلق والملك؟ وأين الآن الألوف المؤلفة التي واراها التراب؟ وأين الآن الملائكة الأطهار؟ وأين من أسلموا الروح في اضطراب؟ وأين الإنسان؟ وأين الروح والجسد؟
وأين العدم؟ فإن تنخل كلا العالمين ومائة مثليهما، وتغربلهما، فلن تجد أي شيء في الغربال، ما دامت الحياة قد أقبلت عليك مضطربة مختلة.