فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 454

شرب عيسى ماء من نهر عذب، فكان طعم الماء يفوق في عذوبته ماء الورد، وملأ شخص آخر جرة من هذا النهر ومضى، فجاءه عيسى وشرب من ماء الجرة، فأصبح فمه غاية في المرارة من ماء الجرة، فعاد وقد تملكته الدهشة والحيرة، وقال: إلهي، إن ماء الجرة وماء النهر كلاهما من ماء واحد، فما السر؟ ولم يبدو ماء الجرة غاية في المرارة؟ ولم يبدو ماء النهر يفوق العسل المصفى حلاوة؟

جاءت تلك الجرة صوب عيسى تحادثه، فقالت: يا عيسى إنني كرجل مسن أصابه الوهن، فقد عشت عمرا مديدا تحت قبة الأفلاك التسعة، فصرت كأسا وجرة وغرارة، وإن تجعلوني جرة ألف عام، فلن يكون لي إلا مرارة الموت والهم، وسأظل أشعر بالمرارة من الموت على الدوام، كما يظل طعم مائي بسبب هذا الهم مرا على الدوام.

أيها الغافل لتبحث عن الأسرار في النهاية لدى الجرة، ولا يتملكك العجب والدلال من الغفلة أكثر من هذا، ولقد أفنيت نفسك، يا من تبحث عن السر، وقبل ذلك كانت لك روح باحثة عن السر، وإن لا تجد حياتك مرة أخرى، فكيف يكون في مقدورك عندما تموت معرفة سرك؟ ولن تستطيع بفطنتك معرفة أي خبر عن نفسك، كما لن يبقى لك أي أثر بعد موتك، الحي ماله الفناء وراء أشياء تافهة، فقد ولد خليقا بالآدمية ولكنه حاد عنها بعد ذلك، فمئات الألوف من الحجب تقف في طريق ذلك السالك، فكيف يستطيع إدراك نفسه بعد ذلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت