مضت تلك العجوز إلى أبي علي [1] ، وكانت تحمل صحيفة من ذهب، فقالت: خذ هذه مني، فقال الشيخ: إنني على عهد، وهو ألا أخذ شيئا قط إلا من الله لا من أحد، فقالت العجوز في الحال: يا أبا علي، من أين لك في النهاية هذا الحول؟ إنك لست رجل حل وعقد في هذا الطريق، فكيف ترى الغير إن لم تكن أحول؟ ليس في عين الإنسان هنا إلا شيء واحد، حيث لا وجود هنا للكعبة أو الدير.
إذا وصل السالك إلى حد القلب، ووصل في الطريق إلى تلك المرتبة، فإنه يسمع منه كلاما بينا، ويبقى وجوده به دواما، ولن يرى أحدا قط غيره لحظة، ولن يعرف أحدا خالدا سواه، ويكون دائما فيه ومنه ومعه، ولكنه خارج عن نطاق الثلاثة كلها.
كل من لا يفنى في بحر الوحدة، غير خليق بالآدمية، حتى ولو كان آدم نفسه، وكل من كان من أهل الفضل، أو من أهل العيب، له شمس في جيب الغيب، وسيأتي يوم في النهاية، وتضمه الشمس إلى حوزتها وترفع النقاب، وكل من وصل إلى شمسه، اعلم يقينا أنه تخلص من كل حسن وقبيح.
إن فنيت أدركت العشق والمحبة، كما تدرك الحسن هناك، وتتخلى عن السوء هنا، لكن إن تظل في وجودك، فسترى الحسن والسيء في هذا الطريق الطويل، فما أن جئت من العدم إلى الوجود، حتى جئت أسير وجودك، فيا ليتك تكون الآن كما كنت أولا، حيث كنت عن الوجود معطلا، فطهر نفسك كلية من الدنية، ثم أسلم هذه النفس إلى
(1) ليس من المعروف من هو أبو علي هنا، حيث يوجد كثير من المتصوفة يكنون بأبي علي.