عندما عاد السلطان إلى البلاط في اليوم التالي. كان يفكر في أمر الشريك، فذهب القائد واستدعى الغلام، وأجلسه السلطان على العرش لماله من حق المشاركة، فقال صاحب الفضول: أيها السلطان إنه
شحاذ مسكين. فقال له السلطان: مهما يكن من أمر، فهو شريكنا، وما دمت قد قبلت، فلا أستطيع رده، قال هذا ونصبه سلطانا، فوجه سائل إلى الصغير سؤالا: من أين تم لك هذا الكمال في النهاية؟ قال:
لقد أقبل الفرج وولى الحزن، لأن صاحب الحظ قد مر بي.
قتل أحد الملوك مجرما عقابا له، وفي نفس الليلة رآه صوفي في المنام، رآه يتجول باسما في جنة عدن، كان يتجول مسرورا أحيانا ومتبخترا أحيانا، فقال له الصوفي: لقد كنت للدماء سفاكا، وكنت بيننا ذليلا أفاقا، فمن أين أحرزت هذه المنزلة؟ إن ما فعلته لا يمكن أن يصل بك إلى هذه المرتبة!
قال: عندما سال على الأديم دمي، مر في تلك الآونة حبيب العجمي [1] ، وفي الخفاء رمقني الشيخ بنظرة من طرف عينيه، فأصبت هذا الشرف ومائة مثله بعزة تلك النظرة منه، وكل من أصابته نظرة حظ، وقفت روحه في لحظة واحدة على مائة سر. وإن لم يشملك أحد بنظرة، فكيف يتم لك معرفة خبر يقين عن وجودك، وإن كنت تكثر من الجلوس وحيدا، فلن تستطيع قطع الطريق بلا مرشد، فالطريق يلزمه مرشد، فلا تسلكه بمفردك، ولا تسلك هذا البحر عن طريق التخبط والعمى،
(1) حبيب العجمي: كان يقرض بالربا في بداية حياته، ثم تاب على يد حسن البصري، وورد عن حسن البصري أن لسانه كان أعجميا، ولم يكن جاريا على العربية، وقد عوقب البصري من الله لأنه رفض أن يصلي وراء حبيب لعجمة لسانه.
(انظر تذكرة الأولياء ج 1ص 4843، وكشف المحجوب، الترجمة العربية ج 1 ص 298297) .