ثم أقبل مالك الحزين أمام الجمع على عجل، وقال: يا طيري، ويا من بهم أهتم، إن أفضل مكان لي على ضفاف البحر، حتى لا يسمع أحد نواحي ونحييي، إنني لا أسبب أذى لأحد قط، كما لا يتأذى أحد في الدنيا مني قط، إنما أجلس على شاطىء البحر مهموما، أجلس دائما حزينا مغموما.
إن قلبي ينفطر شوقا إلى الماء، وماذا أفعل إذا ما احتوتني الحسرة؟
وما لم أكن ويا للعجب من أهل البحر، فإنني أموت صادي الشفتين على شاطىء البحر. ومهما أرغى البحر وأزبد، فإنني لا أستطيع ارتشاف قطرة منه، أما إذا تناقصت مياه البحر قطرة، فيا لحرقة قلبي غيرة، فكفى أمثالي عشق البحر، حيث وصل هذا العشق في قلبي مرحلة الاكتفاء، وليس لي في الدنيا إلا تحمل هموم البحر، لذا لا أستطيع تحمل مشقة السيمرغ ولو للحظة، فمن يكون أساسه قطرة ماء، أنّى له إدراك الوصل مع السيمرغ؟.
قال الهدهد: أيها الجاهل بخبايا البحر، إنه غاص بالتماسيح وذوات الروح، ماؤه مر أحيانا، ومالح أحيانا، يسوده الهدوء أحيانا، ويعتريه الاضطراب أحيانا. والشيء المضطرب غير المستقر، تارة إلى الأمام يندفع، وتارة إلى الوراء ينحسر، ما أكثر السفن التي تحطمت فيه بالعظماء، وما أكثر من سقطوا في دوامته وماتوا. وكل من يسلك فيه طريقا، كما يفعل الغواص، يحبس أنفاسه فلا يصرح بشيء من همومه،
لأنه لو تحدث شخص في قاع البحر، مات، وسقط كالعشب في قاعه، ولا يمكن عقد الأمل مع مثل هذا الشخص العديم الوفاء