وظل مقيدا أسير البئر، فيا شبيها بيوسف تخلص من هذه البئر العميقة، ولا تنطق بحرف، فهذه البئر لها فوهة عجيبة.
ذهب شيخ البصرة [1] عند رابعة، وقال: يا من أنت في العشق صاحبة الواقعة، قولي طرفة لم تسمعيها من أحد، ولم تقرئيها عن أحد ولم تشاهديها، فلك بهاء أكثر منا أجمعين، فهيا قولي، فكم تشوقت روحي.
قالت رابعة: يا شيخ الزمان، لقد نسجت حبلا مرات ومرات، وحملته وبعته، فسر قلبي، إذ كانت حصيلتي درهمين من فضة، وما أمسكت بالاثنين معا في قبضة واحدة، بل أمسكت أحدهما في هذه اليد والآخر في تلك، ذلك لأنني خشيت إذا اجتمعت قطعتا الفضة، ألا أنام خوفا من اللص.
عابد الدنيا قلبه وروحه مليئان بالهموم، وتعترض طريقه مئات الألوف من العقبات الجسام، ودواما تبحث يده عن إحراز قطعة ذهب عن طريق الحرام، وما أن تصل يده إلى إدراكها، حتى يموت والسلام ثم يكون الذهب لوارثه حلالا، أما هو فقد يظل الذهب بالنسبة له وبالا.
(1) المقصود به حسن البصري: وهو أبرز شخصية في مدرسة البصرة التي كانت متأثرة إلى حد بثقافة الهند ولا سيما في الناحية العلمية من التصوف، ولذا بعدوا عن الاشتغال بالسياسة. انظر: التصوف: الثورة الروحية في الإسلام، للدكتور أبي العلا عفيفي، ص: 87، راجع ترجمته كاملة في تذكرة الأولياء للعطار ج 1، ص 3522.