كان أحد السالكين عالي الهمة، لم يشرب قط من يد مخلوق أي شربة، فسأله سائل: يا من ينتسب إلى الحضرة العلية، لم لم تتولد لديك في الشرب أي رغبة؟
قال: إنني أرى الموت يقف متأهبا، فإن أشرب، فسرعان ما ينقض، ومع هذا الموت الموكل بي يوجد سمي إن أشرب، وكيف تكون شربتي عذبة مع هذا الموكل بي؟ إنها ليست من ماء الورد بل من نار!.
كل شيء لا يبقى إلا لحظة لا يساوي نصف دانق حتى ولو كان هذا الشيء هو العالم، لا يكون الوصال من أجل ساعة، فكيف أقيم بنيانا بغير أساس؟ إن كنت سيء الحال لعدم تحقيق المراد، فإن البعيد عن النوال يكون في لحظة قريب المنال. وإن يصبك مكروه أو ألم، فهذا مجال فخر لك، لا مجال حسرة وتألم. وكل ما أصاب الأنبياء من بلاء، لا وجه شبه بينه وبين ما حدث في كربلاء [1] . ما يبدو لك في صورة ألم، يعد في نظر ذوي العقول كنز، والعناية تحرسك في كل لحظة، كما يملأ إحسانه عالمك كلية، ولكن لا نستطيع تذكر إحسانه، وإنما ترى القليل من إيلامه. فأين دليل المحبة في هذه الحال؟ فامض يا عديم اللب، ويا من كلك قشور، إن كانت المحبة تلزمك في طريق العشق، فيلزم أيضا الاضطراب والدوار لروحك ورأسك كذلك
(1) ما حدث في كربلاء: إشارة إلى مقتل الحسين بن علي على يد جند يزيد بن معاوية في العاشر من محرم عام 61هـ: راجع أحداث هذه السنة في ابن الأثير